قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 1 نوفمبر 2026

د. لقمان الربيع: الأردن: من شراء الولاء إلى شللية الفساد

 

 

الأردن: من شراء الولاء إلى شللية الفساد

د. لقمان الربيع

في المقال السابق طرحنا السؤال الوجودي الأخطر: هل يمكن لنظام بُني على "شراء الولاء" أن يستمر في عالم لم يعد فيه مال كافٍ؟ لم تكن الإجابة كما توقعنا. النظام لم ينتظر حتى يجفّ الجيب تماماً. بل قبل أن ينقطع المال، اتجه نحو استراتيجية أكثر خطورة: تحويل الدولة إلى ملكية خاصة تدار حصراً بين شبكة مغلقة من البرامكة ورجال المخابرات. لم تعد المسألة مجرد توزيع مناصب مقابل الولاء، بل أصبحت إدارة الوطن كشركة عائلية مغلقة الأبواب.

كانت الأمور واضحة في العقود الماضية. النظام كان يشتري الهدوء. المناصب توزع لتهدئة المطالب. المحسوبية كانت موجودة بلا شك، لكنها لم تكن منظّمة بهذا القدر من الدقة. الأقليات والعائلات الوافدة كانت تُستخدم كأدوات توازن سياسي، تتحرك وفقاً لحاجة اللحظة. ثم حدث التغير. لم تعد المناصب تُشترى بالمال، بل باتت تورّث ضمن دائرة مغلقة من البرامكة ورجال المخابرات. الولاء لم يعد يُستبدل بانتماء للشبكة الواحدة، وانحصر الانتماء الحقيقي في حلقة ضيقة جداً لا يسمح بالدخول إليها إلا عبر روابط عائلية أو شخصية نادرة جداً. هنا تكمن المفارقة: النظام القديم كان يوزع المناصب على فئات واسعة للحفاظ على التوازن الاجتماعي. النظام الحالي يتركز في يد مجموعة مغلقة، بينما مئات الآلاف من الكفاءات المستبعدة خارج الحلبة.

المفارقة الأخطر في المشهد الأردني هي أن رجال المخابرات لا يشغلون المناصب الوزارية العلنية، بل يديرون الدولة من الخلف. هم الوزراء الفعليون الذين لا تظهر أسماؤهم في التشكيلات الحكومية، لكنهم يقررون من يصبح وزيراً ومن يُستبعد. المناصب الحيوية في الدولة لم تُوزَّع على أساس من هو الأجدر، بل على أساس من هو الأكثر "أمانة" للنظام. والأمانة هنا لا تعني الصدق أو النزاهة، بل تعني الانتماء لشبكة المخابرات نفسها. الآلية تعمل بهذه الدقة المرعبة: وزارة أو مؤسسة تدار من شخص ظاهرياً منتخب أو معين، لكن القرار الفعلي يأتي من وراء الستار. عند استبدال الوزير، لا يُستشار الشعب ولا مجلس النواب، بل تُتخذ القرارات في غرف مغلقة بعيداً عن الأنظار. وهكذا تتكرر الدورة بين نفس المجموعة، وكأن المناصب إرث عائلي غير مكتوب. رجال المخابرات لم يعودوا مجرد جهاز أمن، بل أصبحوا الإدارة الفعلية للدولة. يديرون الاقتصاد، يوزعون المناصب، يقررون من يُعين ومن يُعزل. الدولة تحولت إلى جهاز مخابرات مُوسَّع، يخدم مصالح البرامكة ولا يخدم شعبها.

أخطر ما في الأمر هو تزوير الانتخابات النيابية بشكل ممنهج. المواطن الأردني اليوم يدرك يقيناً أن صوته لا يُحسب، وأن النتائج تُحدَّد قبل يوم الاقتراع بعشرة أيام. الانتخابات لم تعد وسيلة لتمثيل الشعب، بل أصبحت أداة لترشيح من يريد النظام ترشيحه. الأحزاب المستقلة تُهمَّش، والقوائم المستقلة تُعرقل، والمرشحون الذين لا يوافقون أجندة النظام يُستبعدون بكل الطرق الممكنة. التلاعب بقوانين الانتخاب، وتغيير الدوائر عشوائياً، والضغط على الناخبين، واستخدام الأجهزة الأمنية لتوجيه التصويت – كلها أدوات تُستخدم لضمان النتيجة المطلوبة مسبقاً.

مجلس النواب في الأردن اليوم ليس مجلساً نيابياً، بل ديواناً للزينة. مهمته الوحيدة تمرير أجندات الحكومات المتعاقبة باسم "الشعب". المقاعد النيابية تُوزَّع وفق حسابات أمنية وليس وفق إرادة ناخبين حقيقيين. المجلس لا يُشرِّع القوانين لصالح المواطنين، بل يشرّع ما يُطلب منه. لا يراقب الحكومة، بل يغطي أخطاءها. لا يمثل الشعب، بل يموّل النظام. أي نائب يجرؤ على طرح سؤال حقيقي أو طلب ملف فساد يُستبعد فوراً من القائمة التالية. أي عضو يحاول مساءلة وزير يُوجَّه إليه تهمة "الإضرار بالمصلحة العامة". المواطن يعرف أن البرلمان فارغ من المحتوى الحقيقي. يعلم أن القوانين التي تُصوَّت عليها هي قوانين جاهزة مُعدَّة مسبقاً. يعلم أن الأسئلة البرلمانية استعراض فارغ لا أثر له على أرض الواقع.

الفساد في هذه المرحلة لم يعد مجرد سرقات فردية أو اختلالات إدارية عابرة. بل أصبح نظام تشغيل كامل للدولة. الفساد اليوم أداة لضمان الولاء. من يشارك في السرقة يبقى مرتبطاً بالشبكة، لأنه يملك ما يخشاه. من يرفض المشاركة يُقصَى ويُكتشف عنه كل شيء. الفساد يُستخدم لـإقصاء المعارضين وتهميش من لا يخدمون مصالح الشبكة، وليس مجرد نتيجة للفوضى الإدارية. ما يُسرَق من المال العام لا يخرج من الشبكة. يستثمر في شركات مملوكة لأفراد الشبكة. يودع في بنوك خارجية لأعضاء الشبكة. يُصرف على مشاريع تعود بالفائدة على نفس الدائرة المغلقة. الدورة المغلقة كاملة: المال العام يتحرك داخل جدران مغلقة، لا يصل منه شيء للاقتصاد الحقيقي، ولا لخدمات الشعب الذي يحتاجه فعلياً.

البرامكة ليسوا عائلة واحدة، بل هم مفهوم. كل عائلة صغيرة تخدم النظام، وتحويه، وتموله. هم البرامكة في الحكومة، البرامكة في المخابرات، البرامكة في البرلمان. كلما ظهرت حالة فساد، يُضحَّى بشخصية هامشية. أما كبار المفسدين؟ هم آمنون دائماً. لأنهم جزء من النظام، والنظام لا يضحي ببنائه الأساسي لحماية سمعته. المشهد اليومي مؤلم: مسؤول كبير يُحاكم بتهمة فساد بسيط، ثم يُغلق الملف فجأة. لماذا؟ لأنه ليس مهماً، ولأن كشفه سيؤدي لسقوط آخرين أكبر منه. البرامكة تعلَّموا جيداً كيف يحمون أنفسهم: كل واحد منهم له قيمة أمنية للنظام، ولا أحد يجرؤ على المساس بهم.

العشائر الأصيلة التي كانت تشكل العمود الفقري للدولة، والتي أعطت أبناؤها أرواحهم دفاعاً عن الحدود، الآن تواجه مصيراً مؤلماً. أبناء هذه العشائر عاطلون عن العمل رغم أعلى المؤهلات. ممنوعون من المناصب العليا والقرار الفعلي. يُنظر إليهم كشريحة محتملة قد تهدد استقرار النظام، لذا يتم تهميشهم تدريجياً. هذا التهميش خلق شرخاً وجودياً عميقاً بين النظام وأوسع قاعدة اجتماعية  بالاردن. ما كان يوماً حلفاً قوياً أصبح اليوم صدعاً يخشى النظام أن يتسع أكثر.

اعتقال الناشطين لم يعد ممارسة ظرفية، بل أصبح جزءاً من النظام التشغيلي. المعتقلون اليوم ليسوا مجرمين عاديين، بل نشطاء يطالبون بحقوقهم الاقتصادية، وصحفيون يكشفون ملفات الفساد، وشباب من العشائر الأصيلة يتحدون التهميش. القضية لم تعد مجرد اعتقال فردي، بل نمط متكرر. اعتقال ناشطين لمنع كشف الملفات. استخدام قوانين فضفاضة لتبرير القمع. ضغط على عائلات المعتقلين لكسر الإرادة الجماعية. الإعلام الرسمي لم يعد ينتقد النظام، بل ينتقد "المؤثرين على الإنترنت". يستخدم التهمة القانونية كبديل للنقاش السياسي. يوجّه الغضب الشعبي ضد أفراد لا يمثلون التهديد الحقيقي، ليحمي التهديد الأكبر.

المساعدات الخليجية تناقصت مع تغير أولويات المنطقة. المساعدات الأمريكية مشروطة بإصلاحات لا يحدث منها شيء على أرض الواقع. الديون الدولية وصلت حدود الخطر. الشباب الأردني يواجه بطالة تزيد عن ثلاثين في المائة. تكلفة المعيشة تضاعفت ثلاث مرات خلال عقد واحد. الخدمات الصحية والتعليمية تدهورت بشكل كارثي، ولم يعد بالإمكان تبرير هذا الوضع بـ "ظروف اقتصادية صعبة". شبكات التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المعلومات. قبل عشرين عاماً، كان الشعب يعرف فقط ما تصل إليه وسائل الإعلام الرسمية. اليوم، الشعب يعرف أكثر بكثير مما تريد الدولة أن تعرفه عنه. التداول الإلكتروني كسر الاحتكار الإعلامي، وأصبح المواطن يرى بنفسه حجم الثراء الفاحش للبرامكة والشبكة الحاكمة مقابل فقره هو.

الخيار الأول هو الاستمرار على ما هو عليه. النتيجة متوقعة: انفجار اجتماعي متوقع خلال سنوات قليلة قبل الوصول لنقطة اللاعودة. السكان لن يقبلوا الفقر الأبدي مقابل استقرار وهمي. الخيار الثاني هو الإصلاح الجذري. لكنه يتطلب فتح ملفات الفساد الحقيقية، وليس الرمزي فقط. يتطلب كسر احتكار المناصب على الشبكة الواحدة. يتطلب عودة العشائر الأصيلة للمشاركة الفعلية في القرار. يتطلب عدالة اقتصادية حقيقية، وليست شعارات. المخاطر في هذا الخيار: النظام قد يفقد السيطرة على أدواته التقليدية للبقاء. الفائدة المحتملة: فرصة للوجود كدولة مواطنين مائة سنة أخرى، لا كملكية خاصة توارثها البرامكة ورجال المخابرات.

هل يستطيع النظام أن يقتل النظرية التي حفظته مائة سنة ليولد نظرية تحفظه مائة سنة قادمة؟ الإجابة الواقعية ليست مشجعة. النظم السياسية نادراً ما تختار الإصلاح طواعية قبل أن تُجبر عليه. غالباً ما تنتظر حتى يكون الإصلاح ضرورة ملحة للبقاء، لا رفاهية اختيارية. الأردن اليوم في نقطة لا تزال فيها البدائل ممكنة، لكنها ستختفي قريباً. كل يوم يمر بدون إصلاح حقيقي يقلل مساحة الخيارات المتاحة.

لا بد من كشف الحسابات المالية للبرامكة والشبكة الحاكمة علناً، وليس محاكمات رمزية لإطلاق غاز في اتجاه خاطئ. لا بد من إعادة توزيع المناصب بناءً على الكفاءة لا الانتماء العائلي. لا بد من استقلال القضاء فعلاً، لا شكلاً فقط على الورق. لا بد من حرية انتخابية حقيقية، حيث يُحسب صوت المواطن ولا يُتلاعب بنتائج الاقتراع. لا بد من مجلس نواب حقيقي، لا ديوان للزينة يصدّق قرارات جاهزة. لا بد من فصل السلطات فعلياً، لا تنظيماً شكلياً. لا بد من حرية إعلامية تسمح بالكشف عن الفساد دون عقاب. لا بد من حوار وطني حقيقي يشمل العشائر الأصيلة والمعارضة والقطاع الخاص، لا جلسات استماع شكلية تدار من القصر.

إذا لم يحدث هذا، سيبقى الأردن دولة تشتري الوقت بالأزمات المتتالية، وليس دولة تبيع المستقبل للكفاءة والإنجاز. والسؤال الذي يجب أن نطرحه كل صباح، مع كل شاب عاطل عن العمل، ومع كل عائلة تعاني من غلاء المعيشة، ومع كل معتقل سياسي: كم مرة سنسمح لهذا النظام بتكرار نفس الأخطاء قبل أن نقول كفى؟

ملاحظة: التحليل السياسي في هذا المقال يعكس قراءات متعددة للمشهد الأردني القائم بناءً على تقارير شفافية دولية ومصادر متنوعة حول الفساد والمحسوبية.

الدكتور غالب الفريجات: الفِكر الإرهابِيّ والوِحدَة الوَطنِيّة

 

الفِكر الإرهابِيّ والوِحدَة الوَطنِيّة

 

الدكتور غالب الفريجات - الأردن

لم يعد خافياً على احد ان إضعاف الامة العربية عن طريق استهداف اقطارها واضعاف الدول العربية بتفتيت الوحدة الوطنية لكل منها، وتهديم التماسك المجتمعي فيها، هو هدف يتوحد عليه كل اعداء الامة.

وتهديم التماسك المجتمعي هو عملية تفكيك الروابط والتقاليد والقيم المشتركة التي تربط أفراد المجتمع ببعضهم البعض، مما يؤدي إلى إضعاف الثقة المتبادلة وزيادة الانقسامات للتمهيد للحروب الأهلية، وتأجيج النزاعات الداخلية، ومن ثم تحقيق انهيار الدولة الوطنية.

وللوصول الى ذلك يعتمد اعداء الامة شتى الاستراتيجيات والوسائل، منها:

•  إثارة الانقسامات والهويات الفرعية عن طريق تغذية الطائفية والقبلية والتركيز على إحياء الولاءات الضيقة (دينية، عرقية، أو جهوية) على حساب الهوية الوطنية الجامعة وتعميق الفجوات بين المكونات المجتمعية المختلفة وإشعار كل طرف بأن الطرف الآخر يمثل تهديداً لوجوده.

• ضرب الثقة في مؤسسات الدولة وإضعاف سلطة القانون بهدف اشعار الأفراد بالحاجة إلى حماية أنفسهم خارج إطار الدولة، مما يكرس الفوضى.

• نشر الشائعات عن طريق التضليل الإعلامي لنشر أخبار كاذبة وموجهة تزيد من حدة الكراهية والشيطنة المتبادلة بين فئات المجتمع.

• صناعة "العدو الداخلي": توجيه غضب المجتمع نحو فئة معينة داخلية وتحميلها مسؤولية الأزمات الاقتصادية أو السياسية.

• إضعاف القيم الأخلاقية والثقافية المشتركة عن طريق مهاجمة الرموز والتقاليد وتشويه الإرث الثقافي والتاريخي الذي يجمع أفراد المجتمع ويمنحهم شعوراً بالانتماء الواحد.

• تغييب لغة الحوار وإحلال التعصب الفكري والاقصاء مكان التسامح وتقبل الاختلاف.

لذا فان التصدي لمن يغذي كل او بعض هذه العوامل يُعد الخطوة الأولى والأساسية للمجتمع العربي والدولة الوطنية لحماية أمنها الداخلي وتحصين نسيجها الاجتماعي من التمزق والانهيار، وبالتالي تقوية الامة العربية في مواجهة اعدائها.

ويعد الارهاب ومنظماته احدى اهم الوسائل التي تشترك في انعاش اغلب الاستراتيجيات المشار اليها اعلاه. فالاعمال الإرهابية هي جرائم صادرة من جماعات خرجت على كل الأعراف والقوانين الدولية وداست على كل القيم الإنسانية والشرائع السماوية، وهو يهدد الانسان والدول في أمنها واستقرارها ويمارس شتى أنواع العدوان على الأرض، لذا لابد من مواجهته بشتى الطرق والوسائل على صعيد الأمم والشعوب وفي شتى المجالات.

ان العالم مدعو لمحاربة الإرهاب الذي يهدد الوجود الإنساني أفراداً وجماعات ودول لانه يسعى الى تهديد الوحدة الوطنية في كل الأقطار التي تسعى الى تحقيق الامن القومي والوطني وتقوية الوطن في جهوده لمواجهة مخططات اعدائه اضافة الى تحقيق التنمية والبناء والتقدم والرخاء.

ومن هنا فان الوعي وتعزيز الوحدة الوطنية هما صمام الأمان للمجتمع و تحقيق استقرار الحياة، لأن في مقدمة اهداف الإرهاب ضرب الوحدة الوطنية من خلال تنفيذ أهدافه الاجرامية. وفي وطننا العربي يستهدف ارباك الامة وبالتالي اضعافها ازاء اعدائها مما يسهل العدو من خرق الامن القومي وتمرير مخططاته ايا كانت. ويبدأ ذلك من تمزيق أواصر المجتمع، وتدمير الوحدة الوطنية لكل قطر عربي، والوقوف في طريق التنمية والاستقرار الذي تنشده اقطارنا، وكل ذلك من اجل تحقيق الهدف الاخطر وهو منع تحقيق اهداف امتنا العربية في الوحدة التي هي هدف كل انسان عربي ومكمن قوتها ومنعتها المستقبلي الحقيقي.

ولقد سبق وان جاءت سنوات "داعش" في سوريا والعراق لتضع الأردن امام تهديد مباشر لا يكتفي بالسيطرة على الأرض بل يهدف الى السيطرة على العقول، ويستخدم شتى أنواع الدعاية الرقمية والتكفير والتجنيد والتحريض على القتل على اعتبار انه عقيدة، والوحشية بوصفها بطولة، واستخدام الخلاف مع الاخر كتبرير لهدر الدم.

ان العملية الإرهابية التي استهدفت كنيسة في جنوب الأردن في قرية حمود - محافظة الكرك كانت غايتها وأهدافها ضرب الوحدة الوطنية، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، والعمل على زرع الفتنة، والوقوف في طريق تعزيز التماسك و العمل على موقف وطني جامع.

لكن الإرهاب لن ينال من دور الأردن ولن يحقق هدفه في اضعافه ومنعه من اداء دوره المأمول لصالح قضية الامة المركزية في فلسطين والدفاع عن حقوق شعبنا العربي فيها. وموقفه سيبقى راسخاً في مواجه الإرهاب، سواء اكان إرهاب الافراد او إرهاب الدول التي تجاوزت حدود العمل في القانون الدولي، وانتهجت العدوان على جيرانها، وداست على كل القيم والقوانين الدولية التي اقرتها المؤسسات والمنظمات الدولية.  ولقد واجه الأردن الإرهاب منذ زمن ليس بالقصير، فقد بدأت تجربته تلك خلال العقود الثلاثة الماضية، وسعى

خلالها الى حماية الدولة والمجتمع في مواجهة هذا العدوان الاجرامي الذي استهدف امن الوطن واستقرار المجتمع، وقد ساهم الوعي الوطني في المواجهة من خلال ترسيخ الوحدة الوطنية باعتبارها ركيزة من ركائز بقاء الوطن وضمان قوته.

وقد عانى الأردن في سبيل ذلك العديد من أنواع الإرهاب، فقد تعاقبت التنظيمات الإرهابية، وتبدلت الشعارات، وظهرت جماعات عملت تحت عناوين تستغل اسم الدين والدين منها براء، او تحت شعارات ايدولوجية مختلفة، الا ان القاسم المشترك بينها كان استباحة دماء المواطنين، والعمل على اخضاع المجتمعات بالقوة، وضرب ثقة الناس بوحدتهم الوطنية وزعزعة استقرار مجتمعهم.

 

ان الأردن أسرة واحدة لا فرق بين مسلم ومسيحي في مواجهة الإرهاب، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة استهداف وحدته الوطنية، وتمزيق أواصر بنيان مجتمعه. والهجوم الإرهابي الذي يستهدف الوحدة الوطنية، وزرع الفتن في الأردن مصيره الى الفشل، الذي لن يسمح له بالمرور بين صفوف أبناء المجتمع من خلال وعي المواطن لأهمية الدور الذي تلعبه الوحدة الوطنية في ضمان قوة الاردن في مواجهة اعداء الامة العربية، وفي تحقيق الامن والاستقرار لشعبه، الذي ينعم به كل افراد المجتمع على هذه الأرض الطاهرة، ارض الحشد والرباط، وسيدافع عنها الأردن أفراداً وجماعات ومؤسسات الدولة.

ان العمل على تفتيت المجتمع داخل كل قطر عربي، واستغلال التنوع الذي يعتبر كنزاً يخدم الامة في تقدمها وتطورها، من خلال استهداف هذا التنوع سواء كان تنوعاً دينياً أو عرقياً في اقطارنا العربية، والعمل على تفتيت هذه المجتمعات من اجل اعاقة تحقيق اي تقارب او تكامل عربي على طريق تحقيق ما تصبو اليه الأمة من وحدة جامعة لجميع اقطارها، لان الوحدة الوطنية هي ركيزة الوحدة القومية التي هي الهدف الأساسي لتحقيق شخصية امتنا العربية والحفاظ على هويتها ووجودها، ليكون لها موقع تحت الشمس كغيرها من أمم الأرض.

ان الإرهاب لا يخدم الا أعداء الأمة على شتى مشاربهم وأنواعهم وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، والدول التي ترعى الإرهاب، وترفض ان تحترم القانون الدولي في تعاملاتها، وتسعى الى زرع المنظمات، وتعمل على رعايتها لتحقيق أهدافها في التآمر والعدوان على الأخر، لأن هذا الأخر لا يسمح بتمرير أهدافها العدوانية الاجرامية.

ان عملية استهداف النسيج الاجتماعي في الاردن تسيء الى وحدة النضال الشعبي فيه، والذي يعد من اهم الساحات لدعم أهلنا في فلسطين المحتلة، ونضال أبناء فلسطين في مواجهة العدوان الصهيوني على اعتبار ان الأردن في عين الهدف الصهيوني، والذي لا يخفي أهدافه في استهدافه من خلال العمل على تنفيذ مخططاته العدوانية.

ان ثقافة الإرهاب مسمومة للأفراد والجماعات على الصعيد الانساني ايضا وليس السياسي فقط، لانها تقوم على قتل الأبرياء، واستباحة حياتهم، وتدمير نسيجهم الاجتماعي، مما يفرض على الجميع افراداً وجماعات الوعي التام لاهدافها والوقوف بقوة في مواجهة هذه الثقافة الغريبة على مجتمعنا العربي بكل اديانه السماوية وفي مقدمتها الإسلام.

ان القوى السياسية أفراداً وأحزاباً ومؤسسات مجتمع مدني مدعوة للوقوف في وجه ثقافة الظلام هذه، التي تهدد الجميع، وحتى لا نكون اداة عمياء لهذا الإرهاب، ونعمل دون وعي على تحقيق أهدافه، فان الجميع مدعو الى وقفة جماعية لكل هذه القوى من اجل التمسك بتراب الوطن ووحدته، وحرية المواطن، الحرية المسؤولة التي تضعه في المقدمة للدفاع عن الأرض والشعب والوجود الوطني برمته.

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

الرفيقة الدكتورة بيان: البعث: بين الثوابت ودعوات التجديد (محاضرة للكادر المتقدم في الحزب)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

🟢 البعث: بين الثوابت ودعوات التجديد 🟢

▪️الرفيقة الدكتورة بيان▪️

لن أبدأ هذه المحاضرة بإجابة، بل بسؤال: ‌‎ فقبل أن نناقش دعوات التجديد، علينا أن نسأل سؤالاً ربما كان أبسط الأسئلة وأخطرها ‌‎عندما نقول أو نسمع كلمتي «التغيير» و«التجديد» ‌‎ماذا يقصد بالتجديد؟

 ‌‎لأننا أمام كلمة براقة ‌‎كلمة تبدو للوهلة الأولى بريئة، إيجابية، لا يستطيع عاقل أن يعترض عليها. فهل نعني بهما تعديل الفكرة ذاتها واستبدال شيء من جوهره؟

 أم نعني تجديد الأدوات والوسائل التي ندافع بها عن الفكرة وثوابتها وغاياتها؟

 كان لا بد أن نبدأ من هنا، لأن كلمة «التجديد» نفسها تحتاج إلى تفكيك؛ حتى لا تختلط في أذهاننا بمفاهيم أخرى كالتغيير أو الاستبدال أو حتى التفكيك. ‌‎لا تخيفني كلمة التجديد، ولكنني أخشى أن تتحول إلى حصان طروادة يُفكَّك من خلاله الفكر من داخله، ‌‎فالتجديد لا يعني بالضرورة التغيير، وهنا تكمن الإشكالية: أن نخلط بين تجديد الفكرة واستبدالها.

‌‎عندما نجدّد بيتاً لا نهدم أساساته، وعندما يحدّث جيشٌ أسلحته لا يغيّر القضية التي يدافع عنها؛

 وكذلك الفكر: تتجدد أدواته وأساليبه، لا هويته مع كل تحوّل في مزاج العصر.

 ‌‎ومن هنا يأتي السؤال الذي سيكون محور حديثنا هذه الليلة: ‌‎عندما نقول «تجديد البعث»… ماذا نريد أن نجدّد بالضبط؟

 هل نتحدث عن تجديد الأدوات والأساليب والخطاب لمواجهة عصر مختلف؟

 أم عن إعادة تعريف ثوابت الفكر البعثي واعادة تعريف الأمة والوحدة والحرية والاشتراكية والثورة والنضال والكفاح؟

 وأين ينتهي هذا التجديد واين يبدأ الاستبدال بتغيير هوية الفكرة نفسها؟

 أم نريد تغيير فكر البعث نفسه، ثم نحتفظ له بالاسم القديم بفكر مختلف جذريا عن الذي اوجد عليه؟

 ‌‎وهنا يبدأ التحدي... ‌‎هذا هو السؤال الذي سنستقصيه ونتابعه معاً اليوم. سنعود أولاً إلى القائد المؤسس ميشيل عفلق (رحمه الله) نفسه: ماذا قال عن روح الأمة وروح العصر؟

 ماذا قصد بالجيل العربي الجديد؟    وكيف جمع بين الأصالة والتجدد؟      ولماذا حذّر في «النضال ضد تشويه الحزب» من تغيير الحزب في عقيدته ثم الاحتفاظ باسمه؟      ثم سنضع الفكرة أمام اختبار التاريخ: سنمر على محطات كبرى واجهت الأمة والبعث بتحديات مختلفة: من قضية فلسطين ... حيث برزت قضية التجزئة وضياع الأرض، والسويس ... حيث اتسع مفهوم التحرر ليشمل السيادة على القرار والثروة،  ثم الوحدة والانفصال حيث انتقل حلم الوحدة من الفكرة إلى تجربة سياسية بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات،   ثم مرحلة الوصول إلى السلطة  وبعدها نكسة حزيران 1967 وما فرضته من أسئلة حول القوة والتحرير، وصولاً إلى حرب تشرين 1973 وتغيّر أدوات المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وسنطرح على كل هذه المحطات سؤالاً واحداً: عندما كان الواقع يتغير والتحديات تتبدل، هل كان المطلوب تغيير مبادئ البعث في كل مرة؟     أم كان التحدي الحقيقي هو إيجاد أدوات وأساليب جديدة لخدمة الغايات نفسها؟ ومن هنا سنحاول أن نعرف: هل التجديد في تاريخ البعث كان تغييراً للبوصلة؟،  أم بحثاً عن طريق جديد للوصول إلى الوجهة ذاتها؟    وسنصل إلى حاضرنا: إلى دعوات التجديد، والفكر الهجين، والبراغماتية، وحتى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يشارك في صياغة ما نقرأه من أفكار.

 وفي النهاية لن أطلب من أحد أن يوافقني. بل أريد أن نخرج من هنا وقد فعلنا واحداً من أمرين: إما أن نصحح مفاهيمنا، فنميز بوضوح بين التجديد والتغيير والتشويه؛   وإما أن يستمر التحدي، ولكن هذه المرة بسؤال محدد: أرونا التجديد الذي تدعون إليه،    جسّدوه فكرياً وعملياً، وقولوا لنا ماذا سيبقى من البعث بعده. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله بالفكر هو أن نختلف حول كلمات لم نتفق أولاً على معناها.

 ‌‎ايها الاخوة والرفاق لم تعد دعوات «تجديد البعث» تطرح اليوم بوصفها مجرد مراجعة لوسائل العمل أو تطوير للخطاب أو استجابة طبيعية للتحولات التي شهدها العالم والمجتمع العربي،   بل تجاوز بعضها ذلك إلى إعادة النظر في مفاهيم تشكل جوهر الهوية الفكرية للبعث ذاته.

ومن هنا تنشأ الإشكالية التي تناقشها هذه المحاضرة. فنحن لسنا أمام خلاف لغوي بين من يحب كلمة «التجديد» ومن يخشاها، ولا أمام صراع بين جيل يريد المستقبل وجيل يتمسك بالماضي ...... إن القضية أعمق من ذلك بكثير: ‌‎هل يمكن أن نعيد النظر في الثوابت التي قام عليها فكر البعث، ثم نستمر في تسمية الناتج بعثاً؟

 نحن لا نرفض التطور ولا ندعو إلى تجميد الفكر؛ فالعصر يتغير، ومعه تتغير أدوات السياسة والاقتصاد والإعلام والتنظيم..... لكن هناك فرقاً بين تجديد الأدوات لخدمة المبادئ، وتغيير المبادئ نفسها باسم التجديد.

 

‌‎فالثوابث والعقيدة ليست تجربةً بشرية قابلة للنقد، بل هي الأساس الفكري الذي تقوم عليه الامم وتنشأ الدول ....فإذا نُزعت تغيرت هوية الفكرة ‌‎فإذن أصبحت الأمة هنا موضع شك، والوحدة قابلة للتجاوز، والقومية مفهوماً ينبغي الاعتذار عنه، والاشتراكية إرثاً ينبغي التخلص منه، والرسالة الحضارية فكرةً من الماضي،   ويصبح السؤال هنا حتمياً: ما الذي بقي من الامة ومن  البعث؟

 ليس كل تغيير هو تجديداً؛ فقد يكون تطويراً وتصحيحاً او تعديلا او استبدال، وقد يتحول إلى تفكيك تدريجي للفكرة مع الاحتفاظ باسمها........ ومن هنا تنطلق محاضرتنا من سؤالين أساسيين: ما الذي يمكن أن يتغير ويبقى البعث بعثاً؟

وما الذي إذا تغير، نكون قد تجاوزنا التجديد إلى تغيير هوية الفكرة نفسها؟

 هنا تحديداً تبدأ جدلية الثوابت والتجديد. حين تم اقرار عنوان هذه المحاضرة: بعنوانها «البعث: بين الثوابت ودعوات التجديد»، لم أنطلق من افتراض أن الجدل حول التجديد هو جديد او طاريء او مستحدث فرضته أزمات الحاضر، أو أنه سؤال لم يعرفه الحزب إلا في السنوات الأخيرة...... لا بل العودة إلى تاريخ البعث تكشف لنا أن هذا السؤال، بصيغ مختلفة، رافق الحزب منذ عقوده الأولى، وأن محاولات إعادة تشكيل صورته، والطعن في تراثه، وإعادة تفسير مفاهيمه، وتبديل بعض معالمه مع الاحتفاظ باسمه، ليست ظاهرة جديدة.

 ‌‎ولعل من أكثر النصوص دلالة على ذلك كلمة ميشيل عفلق «النضال ضد تشويه الحزب» التي ألقاها في 18 كانون الثاني عام 1966 ‌‎كان الحزب يومها لا يزال قريب العهد نسبياً بتأسيسه، ومع ذلك كان عفلق يحذر من ظاهرة رآها شديدة الخطورة، فقال عن الحزب: ‌‎«"تبدلت معالم هذا الحزب لا بل بُدلت وفق مخططات وتصميم وعمل دائب، حتى يتحول هذا الحزب في عقيدته ‌‎وفي سياسته وفي تنظيمه وفي أخلاقيته... واحتفظ باسم الحزب" » ......‌‎هذه العبارة، على قصرها، تضعنا مباشرة أمام جوهر القضية التي نناقشها اليوم، فالمشكلة التي حذر منها عفلق لم تكن اختفاء اسم البعث، بل كانت إمكان بقاء الاسم بعد تبدل المضمون.

 ‌‎أي أن الخطر الأكبر على أية عقيدة ليس بالضرورة أن يأتي من شخص يعلن رفضها صراحة، وإنما قد يأتي ممن يحتفظ باسمها، ثم يعيد تعريف مفاهيمها واحداً تلو الآخر، حتى نستيقظ ذات يوم فنجد الاسم باقياً، بينما الفكرة التي كان يدل عليها قد تبدلت.

‌‎والملفت للنظر أن عفلق تحدث في النص نفسه عن جيل من الحزبيين بدأ يشكك في ماضي الحزب وتراثه وفي الجيل الذي أسسه، ثم طرح سؤالاً بالغ الدلالة: كيف يمكن أن يبقى هذا هو حزب البعث إذا شُوّه ماضيه وفُصل حاضره عن جذوره؟

 ‌‎لكن الإنصاف الفكري يقتضي أن نقول أيضاً إن عفلق لم يكن عدواً للتجديد ‌‎بل قال صراحة: ‌‎.«إننا لم نقل بأن هذا الحزب لا يحتاج إلى التجدد» ‌‎ووصف فكر الحزب بأنه فكر «ناقد لنفسه»، يعترف بالنقص ويدعو إلى التصحيح والتطوير........ ‌‎لأن عفلق، وهو يدعو إلى التجدد، يرفض في الوقت نفسه قطع الصلة بتراث الحزب وماضيه، ويقول إن الحركة العقائدية لا تستطيع أن تنمو إذا انقطعت عن تراثها.

 ثم يقدم صيغة بالغة الأهمية: ألا نتجمد عند الماضي، ولكن أن نبقى متصلين به اتصالاً حياً واعياً..

 ‌‎إذن، حتى في السنوات الأولى، لم يكن السؤال هل نجدد أم لا نجدد؟ ‌‎بل كان السؤال الحقيقي ‌‎أي تجديد نريد؟ وأين ينتهي التجديد ويبدأ التشويه؟

 ‌‎ولكي لا يبقى حديثنا عن مفهوم التجديد اجتهاداً في تفسير فكر عفلق، دعونا نعود إلى عفلق نفسه، ونقرأ كيف علاقة الأصالة بالتجديد في عدد من نصوصه وعناوينه الفكرية.

 ‌‎«روح الأمة وروح العصر»: ندخل العصر ونأخذ بأدواته، ولكن بروح الأمة وهويتها، لا بالذوبان فيه.

 ‌‎«الجيل العربي الجديد»: الجيل الجديد لا يهدم ماضي أمته ليكون حديثاً، بل يحمل قضيتها إلى المستقبل بأدوات عصره.

‌‎«صالة الأمة قوة نضالية متجددة»: الأصالة ليست جموداً، بل ثبات الهوية مع التجدد المستمر في وسائل النضال والعمل.

 ‌‎«لبعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد»: جِدّة البعث كانت في وعيه واستجابته لواقع عصره، لا في التخلي عن جذوره القومية.

 ‌‎«النضال سبيل الجيل الجديد إلى تحقيق الانقلاب العربي»: التجديد هو تطوير قدرة الفكرة على تغيير الواقع، لا تحويل «حزب الانقلاب» إلى حزب ينساب مع التيار السائد.

(وبالانقلاب المقصود الانقلاب على الواقع). ‌‎«النضال ضد تشويه الحزب»: الحزب يحتاج إلى النقد والتجدد والتطوير، لكن تغيير جوهره ثم الاحتفاظ  باسمه ليس تجديداً بل تغييراً لهويته.

‌‎عندما نضع هذه النصوص جنباً إلى جنب، نجد خيطاً فكرياً واحداً عند عفلق: الأمة لا تختار بين الأصالة والتجديد. الأصالة تحدد هويتها ووجهتها، والتجديد يمنحها أدوات الحركة في عصرها. فالذي يتجدد هو الوعي والأسلوب والأداة، أما روح الأمة فهي التي تعطي لهذا التجدد معناه واتجاهه وهذا هو السؤال الذي أريد أن أعيد طرحه اليوم، بعد ستة عقود تقريباً من تلك الكلمة.

 

إن موقفي في هذه المحاضرة (وهو موقف يجمعني مع الكثيرين من هذا الجمع الكريم)، واضح: أنا لا أرفض تطور الوسائل، ولا تحديث لغة الخطاب،  ولا النقد الذاتي، ولا تطوير التنظيم وأساليب العمل بما يتلاءم مع العصر.................. لكنني أرفض أن تتحول كلمة «التجديد» إلى بوابة لمراجعة الثوابت التي تمنح البعث هويته الفكرية.

التجديد في مفهومنا ليس تخفيف الأعباء، بل تحمل أعباء جديدة. ‌‎هذه هي القضية. ‌‎العالم يتغير؟

 ‌‎نعم ‌‎إذن أمامنا مسؤوليات جديدة........ ‌‎التكنولوجيا تتغير؟

 ‌‎نعم ‌‎إذن علينا أن نتقن أدواتها....... ‌‎الاقتصاد يتغير؟

 ‌‎فلنبحث عن أدوات جديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية...... ‌‎أشكال الهيمنة تتغير؟

 ‌‎فلنجدد وسائل مقاومتها...... ‌‎وسائل تشكيل الوعي تغيرت؟

 ‌‎فلندخل معركة الوعي بأدوات القرن الحادي والعشرين.... ‌‎أما أن يتغير العالم فنقرر نحن أن نغير عقيدتنا، فأي ثورة هذه؟

‌‎الثوري لا يغير قضيته عندما تتغير ظروف المعركة. ‌‎الثوري يغير أدواته لكي يبقى قادراً على خوض المعركة ذاتها.

 ‌‎لسنا ضد التجديد... نحن ضد تبديل الهوية. ‌‎لو اتينا الى مراجعة بعض من ثوابت البعث لوجدنا ثابتة غير قابلة للتفاوض: الثورة عند البعث ليست محطة... إنها حالة دائمة لأن الثورة في مفهوم البعث لا تتوقف عند حد. الثورة ليست انقلاباً. وليست بياناً أول. وليست وصولاً إلى السلطة. وليست مرحلة نقول بعدها: انتهى النضال، فلنسترح.

 الثورة حالة كفاح دائم. كلما أنجزت الأمة مهمة ظهرت أمامها مهمة أخرى. وكلما تجاوزت تحدياً ظهر تحدٍّ جديد. وكلما تغيرت أدوات خصومها كان عليها أن تطور أدواتها. ولهذا فإن التجدد ليس خروجاً على الثورة. التجدد هو أحد شروط استمرار الثورة.

 ‌‎كذلك مسالة وجود الامة وكينونتها. ‌‎نحن أبناء أمة وُلدت في معركة وجود ‌‎وأمتنا لم تولد في فراغ. ‌‎ولم يعطها التاريخ ترف أن تعيش على هامشه.

 ‌‎لقد وجدت نفسها، منذ تشكل وعيها الحضاري، أمام سؤال الوجود. ‌‎أن تكون أو لا تكون. ‌‎أن تمتلك قرارها أو يمتلكه الآخرون. ‌‎أن تصنع تاريخها أو يُكتب لها تاريخها........ ‌‎ودعوني أطرح عليكم سؤالاً: ‌‎حين نشأ فكر البعث، في أي واقع وُلد؟

 وأمام أية معركة وجد نفسه؟

 ‌‎لقد وُلد في مرحلة كانت الأمة العربية فيها تواجه الاستعمار والتجزئة والانتداب، وكانت قضية التحرر والاستقلال والوحدة في قلب السؤال القومي.

 ولذلك لم ينشأ البعث تنظيراً مجرداً بعيداً عن الواقع، بل ـ كما يقول ميشيل عفلق في النص الذي انطلقنا منه ، دخل النضال منذ بداياته، وكان النضال نفسه أحد المصادر التي صاغت فكره.. ‌‎ولنضع الفكرة سريعاً أمام اختبار التاريخ: ‌‎نشأة البعث: وُلد الفكر في واقع الاستعمار والانتداب والتجزئة؛ فكان التحرر والاستقلال والوحدة في صلب المشروع، وكان النضال نفسه جزءاً من تكوين فكره. ......‌‎فلسطين 1948: كشفت النكبة كلفة التجزئة والعجز، فتحولت الوحدة من فكرة قومية إلى سؤال يرتبط بالقوة والوجود والمصير. ‌‎3. السويس 1956: اتسعت معركة التحرر من تحرير الأرض إلى تحرير القرار والثروة؛ فأصبح الاستقلال السياسي ‌‎مرتبطاً بالسيادة الاقتصادية...... ‌‎الوحدة 1958 والانفصال 1961: انتقلت الوحدة من الشعار إلى تجربة الدولة. 8 شباط في العراق و8 آذار في سورية 1963: انتقل البعث من النضال خارج السلطة إلى امتحان الحكم: كيف تتحول العقيدة والشعارات إلى دولة ومؤسسات وسياسات؟ 23 شباط 1966: انتقل الخلاف إلى داخل البعث نفسه، وأصبح السؤال: أين ينتهي التطوير، وأين يبدأ تغيير هوية الحزب مع الاحتفاظ باسمه؟

 انتكاسة 1967: أعادت سؤال القوة إلى الواجهة؛ فلم يعد الاستقلال إرادة سياسية فقط، بل أصبح مرتبطاً بالدولة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والقدرة العسكرية........ 17 تموز 1968 في العراق: دخل البعث مرحلة بناء الدولة، فأصبحت التنمية والتعليم والتصنيع والنفط وبناء المؤسسات من أدوات تحقيق المشروع السياسي. ‌‎حرب تشرين 1973: دخل الاقتصاد بقوة إلى ميدان الصراع، وبرز النفط أداة ضغط سياسية إلى جانب الأدوات العسكرية. .....العولمة وعصر التكنولوجيا: تغيرت أشكال النفوذ والتبعية، فأصبحت المعرفة والإعلام والتكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والثقافة ميادين جديدة للاستقلال والسيادة. أن يتغير الميدان فتتغير الأداة؛ لا أن يتغير الميدان فنغيّر البوصلة. والان.......... ‌‎دعونا نختبر كلمة «التجديد» قبل أن نصفق له: عد أن رأينا كيف ربط عفلق بين الأصالة والتجديد، دعونا نتوقف قليلاً ونقوم بتمرين فكري بسيط: ماذا لو طبّقنا المنطق نفسه على الآخرين؟

 ماذا لو ذهبنا إلى الحزب الجمهوري الأمريكي، الذي يعود تاريخه إلى عام 1854، وقلنا له: لقد تغير العالم، وعليك أن «تتجدد»؟ سيكون السؤال الأول: ماذا تريدون منا أن نغيّر؟ ‌‎خطابنا؟ برامجنا؟ أدواتنا السياسية؟ هذه كلها تتغير.

 

‌‎لكن هل يعني التجديد أن تتخلى أمريكا عن تصورها لنفسها، وعن مصالحها القومية، وعن إيمانها بخصوصية التجربة الأمريكية ومكانتها في العالم؟

 ‌‎أمريكا غيّرت الرؤساء والسياسات والأدوات مراراً، وانتقلت من زمن ثيودور روزفلت وسياسة القوة والتوسع في النفوذ إلى عالم التكنولوجيا والعولمة؛ لكنها لم تستيقظ ذات صباح لتقول: لقد أصبح الدفاع عن المصلحة الأمريكية فكرةً قديمة، فلنتخلص منها حتى نصبح أكثر حداثة.

 ‌‎هم يغيّرون أدوات القوة كي تبقى أمريكا قوية، فلماذا يُطلب منا أن نغيّر الفكرة نفسها كي نثبت أننا متجددون؟ ‌‎وهنا يصبح السؤال أكثر استفزازاً: ‌‎لماذا يُسمّى تمسّك أمريكا بهويتها ومصالحها «استراتيجية وطنية»، بينما يصبح تمسّكنا بهويتنا القومية عند البعض «جموداً فكرياً» يحتاج إلى التجديد؟

‌‎عندما نذهب إلى حزبٍ عقائدي، قام أساساً على فكرٍ سياسي صاغ رؤيته للدولة والمجتمع وحدّد تصوره لهوية الأمة؛ حزبٍ ليس مجرد تجمع انتخابي نفعي يتغير برنامجه بحسب صندوق الاقتراع، كحزب البعث، ثم نقول له ‌‎لكي تصبح معاصراً، عليك أن تتخلى عن هويتك الفكرية، وأن تنظر إلى تاريخك باعتباره عبئاً، وأن تعيد تعريف نفسك وفق منظومة فكرية أخرى؛عندها لن نكون أمام «تجديد» بالمعنى البسيط، بل أمام سؤال أعمق: في أي لحظة يصبح التغيير كبيراً إلى درجة أننا نتحدث عن مشروع مختلف؟

 لنجرب أمثلة أكثر استفزازاً للفكر: هل تجديد الحرية يعني التخلي عنها لأنها فكرة قديمة؟

 هل تجديد الديمقراطية يعني إلغاء إرادة الناخب لأنها مفهوم موروث؟

 وسأستعير هنا بعضا مما كتبته سابقاً عن الديناصورات والأخطبوط البراغماتي. ‌‎لقد وُصف المتمسكون بثوابت البعث بـ«الديناصورات»، وكأن الثبات على المبدأ يعني العجز عن مواكبة العصر.

 لكن البديل عن الجمود ليس أن نتحول إلى أخطبوط براغماتي يمد أذرعه في كل اتجاه ويتلون مع كل ظرف حتى يفقد هويته.

 ‌‎والخطر الذي أحذر منه اليوم أخطر من مجرد خلاف حول مفهوم التجديد: أن تُستخدم المؤسسة لهدم المؤسسة ذاتها من الداخل، ثم يُخرج لنا من أنقاضها كيانٌ مشوّه يحمل الاسم نفسه، ليُقال بعد ذلك إن الأصل قد تجاوزه الزمن.

 وهنا تحضر أمامي مفارقة تكاد تكون ساخرة: عفلق أراد البعث حزبَ انقلابٍ على الواقع؛ حزباً لا يستمد شرعيته من مسايرة السائد، بل من إرادته في تغيير واقع الأمة. فماذا نفعل نحن اليوم بهذا المفهوم تحت عنوان «التجديد»؟ هل نجدد حزب الانقلاب… بأن نعلّمه كيف ينساب مع التيار؟

 هل تصبح المعاصرة أن نتبنى كل فكرة لأنها رائجة، ونتخلى عن كل فكرة لأنها أصبحت ثقيلة على مزاج العصر؟

 عفلق تحدث عن الانقلاب، ونحن نخشى أن ينتهي بنا بعض التجديد إلى الانسياب؛ هو أراد فكراً يصنع تياراً، لا فكراً يسأل كل صباح: إلى أين يتجه التيار كي ألحق به؟

 فإذا كان «حزب الانقلاب» سيصبح حزبَ الانسياب مع كل تيار شائع، فقولوا لنا: على ماذا بقي ينقلب؟

 ‌‎التجديد الذي يليق بفكرة انقلابية هو أن تتجدد قدرتها على تغيير الواقع، لا أن تتجدد قدرتها على التكيف معه حتى الذوبان فيه.

‌‎وأخطر ما أخشاه من «التجديد» المطروح عندنا ليس تغيير بعض الأدوات، بل أن يصل إلى حظر تاريخ الأمة ومستقبلها معاً: أن تصبح هويتها وذاكرتها ومشروعها القومي من المحظورات، وأن يصبح مجرد الحديث عن مستقبلها ووحدتها ونهضتها تهمةً يجب الاعتذار عنها.

 ‌‎نعم، يجب أن نتجدد، ولكن التجديد يكون في الأدوات والأساليب، لا في البوصلة. ‌‎ولهذا أقول لكم في ختام حديثي: ‌‎جدّدوا، ناقشوا، انتقدوا، راجعوا، ولا تخافوا من أسئلة العصر؛ ولكن لا تسمحوا لسؤال التجديد أن يتحول إلى سؤال عن حق الفكرة نفسها في البقاء. ‌‎التجديد الذي نريده ليس أن نصنع بعثاً على مقاس العصر، بل أن نصنع بعثاً قادراً على مواجهة العصر.

 ‌‎الفكرة لا تبقى باسمها، بل بما يبقى فيها من جوهرها. والأمة كذلك لا يحفظها اسمٌ إذا فقدت المقومات التي صنعت شخصيتها وذاكرتها ووجودها ‌‎ولعل أحمد شوقي لخّص هذه الحقيقة حين قال: ‌‎وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبو ............اوأقول قياساً على معناه: ‌‎ وكذلك الأفكار؛ ما بقي جوهرها بقيت، فإذا ذهب جوهرها، فلن ينقذها بقاء الاسم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

       الرفيقة الدكتورة بيان

‌‎الخامس من شهر تشرين الأول عام 2026

الأحد، 20 سبتمبر 2026

ضرغام الدباغ:نظرية الأواني المستطرقة في السياسة

 

نظرية الأواني المستطرقة في السياسة

Cummunicting Vases

Cummunictings Countrys

ضرغام الدباغ / برلين

قبل أن أدافع عن رسالة الدكتوراه يوم 14/ أبريل / 1982، في العلوم السياسية، بجامعة لايبزغ


بألمانيا، قلت لأستاذي البروفسور دكتور غيرد كيك، إنني عازم على استخدام مصطلح غير معهود في علم السياسة، تعبيراً عن حالة توجه معسكر دولي في التصرف حيال قضية ما، بتوزيع الأدوار فيما بينهم، بذرائع شتى، وتحت عناوين مختلفة، ولكن بنتائج متشابه، أو متكاملة، فقلت له إنني عازم على استخدام كلمة لم أكن أدري إن كانت مستخدمة باللغة الألمانية أو الانكليزية، وهي (Orchesration) ، استخداماً مجازياً عن المصطلح الموسيقى بتوزيع القطعة الموسيقية، فدهش أستاذي، واستغرب الفكرة ولكنه وافق عليها وأيدها.

وكان قصدي بذلك، أن القوى العظمى كثيراً ما تبدو مختلفة (بتهذيب شديد) حول قضايا (متفقون عليها في الكواليس، أو بالاحرى متفقون على سقف الموقف)، ولكنهم يصبحون قليلي الأدب والتهذيب عندما يدور خلاف حقيقي ولو على مئةدولار.

اليوم أجد، أن الساحات العربية وقد اتحدت كتعبير حقيقي عن وحدة حاضرها ومستقبلها، ناهيك عن مصيرها، وقد وجدت أن القاعدة الفيزيائية تنطبق عليها أيما تطابق، وهي قاعدة الأواني المستطرقة ((Cummunicting Vases، وهي نظرية سأشرحها بطريقة تقبل التأويل السياسي بسهولة وسلاسة.

هي أواني أو أوعية (كيانات) تتصل ببعضها البعض عبر قناة رئيسية (وربما عدة قنوات)، يكون مستوى السائل(الموقف العام) متماثل أو متطابق. أوان مختلفة الأشكال تتصل بعضها ببعض، يستفاد منها للبرهنة على أنه إذا وضع فيها سائل كان سطحه فيها جميعاً على مستوى أفقي.

نظرية الأواني المستطرقة، وهي باختصار تقول إن ارتفاع السائل في آنية متوازية متصلة بعضها ببعض ومختلفة في سعتها وشكلها، لابد أن يكون متساوياً، وعلى ارتفاع أفقي ثابت، إذا أضفنا كمية من السائل إلى احد الأنابيب ، فان هذه الكمية تتوزع بالتساوي على بقية الأنابيب، لم نفكر يوما في إيضاح معانيها أو الاستشهاد بها في معرض الحديث عن القضايا المطروحة في الساحة المحلية أو الدولية .

وهي باختصار تقول إن ارتفاع السائل في آنية متوازية متصلة بعضها ببعض ومختلفة في سعتها وشكلها، لابد أن يكون متساوياً، وعلى ارتفاع أفقي ثابت، إذا أضفنا كمية من السائل إلى احد الأنابيب، فان هذه الكمية تتوزع بالتساوي على بقية الأنابيب

من النظريات العلمية المعروفة نظرية الأواني المستطرقة، ومؤداها أننا عندما نضع سائلا في مجموعة أوانٍ متصلة فإنّ المستوى الأعلى للسائل يكون متساويا في هذه الأواني جميعا، حتى وإن اختلفت أشكال الأواني وأحجامها، إذ يعود تساوي المستوى الأعلى للسائل في هذه الأواني إلا أنّ الضغط الواقع على السائل متساو...

ولعلّ هذه النظرية العلمية تنطبق إلى حدٍّ ما على واقعنا العربي من المحيط إلى الخليج، مع اختلاف في الشكل والحجم مثلما هي الأواني المستطرقة، بين بلد عربي وآخر ويمكن تحديد خمس سمات رئيسية مشتركة لواقعنا السياسي والاجتماعي العربي مشرقا ومغربا :

تتمثّل أولا :

في سطوة الاستبداد السلطوي: وإن اختلفت مظاهر هذه السطوة، أو تمّت تغطيتها وجرت محاولة تجميلها عبر إضفاء ديكورات ديمقراطية شكلية

وتتمثّل ثانيا:

في الفساد المستشري: والنهب المتواصل للمقدرات الاقتصادية، والتبعية للإمبريالية...

وتتمثّل ثالثا:

في انسداد أفق التنمية: في إطار التطور الاقتصادي المشوّه والتابع والنهج الاقتصادي النيوليبرالي غير المتوازن وغير العادل اجتماعيا...

وتتمثّل رابعا:

في انعدام العدالة الاجتماعية: وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع تعاني الأَمَرّين من الانعكاسات السلبية للتضخم النقدي وارتفاع الأسعار والبطالة...

وتتمثّل خامسا:

في ما يجري من محاولات مقصودة لتمزيق النسيج الوطني: في مجتمعاتنا بهدف إحكام قبضة آليات السطوة السلطوية عليها وإضعاف مجتمعاتنا وإشغالها في خلافات فئوية تصرف أنظارها عن مطالب الإصلاح والتغيير

وفي المقابل، هاهي الآن التناقضات تتفاقم والصراع يحتدم على نحو غير مسبوق في العديد من مجتمعاتنا العربية بين النهج السلطوي المستبد والفاسد والتابع والمنحاز اجتماعيا من جهة وبين الحاجة الموضوعية الملحة من جهة أخرى لإحداث الإصلاح الديمقراطي والتغيير الحقيقي... وها هي التحركات الشعبية المطلبية تنطلق في كل مكان وتمتد إلى كافة الاقطار بشعارات متشابهة وأحياناً متطابقة، احتجاجا على البطالة وارتفاع الأسعار، وهي تحركات مرشحة لأن تتسع في نطاقها عابرة للحدود القائمة بين البلدان العربية، ومرشحة لأن تتعمّق في مضامينها لتطرح مطالب سياسية جذرية إلى جانب المطالب الاقتصادية الاجتماعية... تتعامل مها القوة البوليسية والعسكرية القمعية، ولكن العلة تبقى بل وتستفحل، وهاهو الرفض معلن في أكثر من بلد عربي للآليات الانتخابية الزائفة ما أدى إلى طرح دعوات المقاطعة في بعضها؛ بالإضافة إلى تنامي المطالبة (بديمقراطية) حقيقية... ناهيك عن بروز الانقسامات، التي تتخذ أشكالا عنيفة أحيانا؛ وتتهدد الوحدة الترابية أو تكرس النزعات الانفصالية في عدد من البلدان العربية، في وقت عجزت فيه النظم الحاكمة عن الحفاظ عليها، مثلما هي الحال في اليمن والسودان... وغير ذاك، هناك صراعات كامنة في بلدان عربية أخرى قد تنفجر في أي لحظة ولأي سبب

إنّ ما تشهده المجتمعات العربية من تناقضات متفاقمة وصراعات محتدمة وتحركات شعبية متنامية تبدو كأنها متزامنة، تدفعني إلى استذكار ما كانت عليه الأوضاع في بلدان أميركا اللاتينية حتى نهاية الثمانينيات، التي كانت تسودها حينذاك أنظمة سلطوية فاسدة وتابعة للولايات المتحدة الأميركية، ثم فجأة بدءا من العام 1989 انكسرت الأواني المستطرقة هناك آنية تلو أخرى، وزالت تلك الأنظمة، وتأسست على أنقاضها أنظمة حكم ديمقراطية شعبية... ولعلّ الأواني المستطرقة العربية أصبحت الآن مرشحة أكثر من أي وقت سابق لمثل هذا الكسر التاريخي المستحق، أميركا الجنوبية لم تعد جمهوريات موز ...!

• قانون الضغط عند النقطة: هو مقدار القوة المتوسطة المؤثرة عمودياً على وحدة المساحات المحيطية بتلك النقطة.

• قانون ردود الفعل: لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه.

• قانون التحول :كل زيادة في الكمية تؤدي حتماً إلى زيادة في النوعية.

هذه القوانين تدور لا محال بمعزل عن إرادة الحكام ..أي حكام ..!

استقال الرئئيس الفرنسي شارل ديفول عام 1968 م، ، وقال كلمته الشهيرة (المصارع الشجاع هو الذي يترك الحلبة قبل أن يصرعة الثور). ديغول شخصياً استقال حين طلب أشياء بسيطة لصلاحياته، رفضها الشعب فأستقال بكرامته ومضى إلى قريته التي جاء منها، ولكنه سيبقى رئيس فرنسا الفخري وضميرها إلى الأبد ..!

وهناك من يرتب طريقة يفر بها بجلده ساعة المحنة الآتية دون ريب ... بس طول بالك ..!

الجمعة، 21 أغسطس 2026

خطاب الصورة عند جان بودريار

 

 *خطاب الصورة عند جان بودريار

* كريم جدي

يتناول مفهوم “خطاب الصورة” عند جان بودريار Jean Baudrillard ضمن نقده الجذري لثقافة الإعلام والاستهلاك في المجتمع ما بعد الحداثي، وخاصة في كتبه مثل “محاكاة ومحاكاة زائفة”


و*“المجتمع الاستهلاكي
”*.

يمكن فهم فكر بودريار حول الصورة عبر فكرة أساسية: الصورة لم تعد تمثل الواقع، بل أصبحت تحلّ محله.


1. من التمثيل إلى المحاكاة

في الفهم الكلاسيكي، الصورة كانت “تمثيلاً” لشيء واقعي (لوحة، صورة فوتوغرافية، فيلم…).

أما عند بودريار، فقد انتقلنا إلى مرحلة جديدة:

الصورة لم تعد تعكس الواقع

بل تنتج واقعًا بديلًا يسمى المحاكاة (Simulation)

هذا الواقع البديل يبدو “أكثر واقعية من الواقع نفسه”

2.   الخطاب البصري كسلطة

“خطاب الصورة” عنده ليس بريئًا أو محايدًا، بل:

يحمل رسائل أيديولوجية خفية

يوجّه الإدراك دون وعي المتلقي

يعمل داخل الإعلام والإشهار والسياسة

بمعنى: الصورة “تتكلم”، لكنها تتكلم بلغة تُصمَّم للتأثير لا للإخبار فقط.

3. من الرمز إلى “الفرط-واقع”

يصل بودريار إلى مفهوم الفرط-واقع (Hyperreality):

الصور التلفزيونية والإعلانات لا تشير إلى واقع أصلي

بل إلى صور أخرى داخل نظام من الصور

حتى يصبح من الصعب تمييز الأصل من النسخة

مثال:

الإعلان عن مدينة سياحية لا يعرض “المدينة”، بل نسخة مثالية منها لا توجد فعليًا.

4. انهيار المرجع

أخطر فكرة عنده:

لم يعد هناك “مرجع حقيقي” للصورة

بل سلسلة من العلامات تحيل إلى علامات أخرى

وهذا ما يسميه: موت الواقع المرجعي

خلاصة:

“خطاب الصورة” عند بودريار هو نقد لفكرة أن الصورة وسيلة نقل للواقع.بل هي عنده:

جهاز إنتاج للمعنى والواقع الوهمي، يشتغل داخل الإعلام والاستهلاك، ويعيد تشكيل وعي الإنسان دون أن ينتبه.

المصدر  هنا