قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

الرفيقة الدكتورة بيان: البعث: بين الثوابت ودعوات التجديد (محاضرة للكادر المتقدم في الحزب)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

🟢 البعث: بين الثوابت ودعوات التجديد 🟢

▪️الرفيقة الدكتورة بيان▪️

لن أبدأ هذه المحاضرة بإجابة، بل بسؤال: ‌‎ فقبل أن نناقش دعوات التجديد، علينا أن نسأل سؤالاً ربما كان أبسط الأسئلة وأخطرها ‌‎عندما نقول أو نسمع كلمتي «التغيير» و«التجديد» ‌‎ماذا يقصد بالتجديد؟

 ‌‎لأننا أمام كلمة براقة ‌‎كلمة تبدو للوهلة الأولى بريئة، إيجابية، لا يستطيع عاقل أن يعترض عليها. فهل نعني بهما تعديل الفكرة ذاتها واستبدال شيء من جوهره؟

 أم نعني تجديد الأدوات والوسائل التي ندافع بها عن الفكرة وثوابتها وغاياتها؟

 كان لا بد أن نبدأ من هنا، لأن كلمة «التجديد» نفسها تحتاج إلى تفكيك؛ حتى لا تختلط في أذهاننا بمفاهيم أخرى كالتغيير أو الاستبدال أو حتى التفكيك. ‌‎لا تخيفني كلمة التجديد، ولكنني أخشى أن تتحول إلى حصان طروادة يُفكَّك من خلاله الفكر من داخله، ‌‎فالتجديد لا يعني بالضرورة التغيير، وهنا تكمن الإشكالية: أن نخلط بين تجديد الفكرة واستبدالها.

‌‎عندما نجدّد بيتاً لا نهدم أساساته، وعندما يحدّث جيشٌ أسلحته لا يغيّر القضية التي يدافع عنها؛

 وكذلك الفكر: تتجدد أدواته وأساليبه، لا هويته مع كل تحوّل في مزاج العصر.

 ‌‎ومن هنا يأتي السؤال الذي سيكون محور حديثنا هذه الليلة: ‌‎عندما نقول «تجديد البعث»… ماذا نريد أن نجدّد بالضبط؟

 هل نتحدث عن تجديد الأدوات والأساليب والخطاب لمواجهة عصر مختلف؟

 أم عن إعادة تعريف ثوابت الفكر البعثي واعادة تعريف الأمة والوحدة والحرية والاشتراكية والثورة والنضال والكفاح؟

 وأين ينتهي هذا التجديد واين يبدأ الاستبدال بتغيير هوية الفكرة نفسها؟

 أم نريد تغيير فكر البعث نفسه، ثم نحتفظ له بالاسم القديم بفكر مختلف جذريا عن الذي اوجد عليه؟

 ‌‎وهنا يبدأ التحدي... ‌‎هذا هو السؤال الذي سنستقصيه ونتابعه معاً اليوم. سنعود أولاً إلى القائد المؤسس ميشيل عفلق (رحمه الله) نفسه: ماذا قال عن روح الأمة وروح العصر؟

 ماذا قصد بالجيل العربي الجديد؟    وكيف جمع بين الأصالة والتجدد؟      ولماذا حذّر في «النضال ضد تشويه الحزب» من تغيير الحزب في عقيدته ثم الاحتفاظ باسمه؟      ثم سنضع الفكرة أمام اختبار التاريخ: سنمر على محطات كبرى واجهت الأمة والبعث بتحديات مختلفة: من قضية فلسطين ... حيث برزت قضية التجزئة وضياع الأرض، والسويس ... حيث اتسع مفهوم التحرر ليشمل السيادة على القرار والثروة،  ثم الوحدة والانفصال حيث انتقل حلم الوحدة من الفكرة إلى تجربة سياسية بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات،   ثم مرحلة الوصول إلى السلطة  وبعدها نكسة حزيران 1967 وما فرضته من أسئلة حول القوة والتحرير، وصولاً إلى حرب تشرين 1973 وتغيّر أدوات المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وسنطرح على كل هذه المحطات سؤالاً واحداً: عندما كان الواقع يتغير والتحديات تتبدل، هل كان المطلوب تغيير مبادئ البعث في كل مرة؟     أم كان التحدي الحقيقي هو إيجاد أدوات وأساليب جديدة لخدمة الغايات نفسها؟ ومن هنا سنحاول أن نعرف: هل التجديد في تاريخ البعث كان تغييراً للبوصلة؟،  أم بحثاً عن طريق جديد للوصول إلى الوجهة ذاتها؟    وسنصل إلى حاضرنا: إلى دعوات التجديد، والفكر الهجين، والبراغماتية، وحتى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح يشارك في صياغة ما نقرأه من أفكار.

 وفي النهاية لن أطلب من أحد أن يوافقني. بل أريد أن نخرج من هنا وقد فعلنا واحداً من أمرين: إما أن نصحح مفاهيمنا، فنميز بوضوح بين التجديد والتغيير والتشويه؛   وإما أن يستمر التحدي، ولكن هذه المرة بسؤال محدد: أرونا التجديد الذي تدعون إليه،    جسّدوه فكرياً وعملياً، وقولوا لنا ماذا سيبقى من البعث بعده. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله بالفكر هو أن نختلف حول كلمات لم نتفق أولاً على معناها.

 ‌‎ايها الاخوة والرفاق لم تعد دعوات «تجديد البعث» تطرح اليوم بوصفها مجرد مراجعة لوسائل العمل أو تطوير للخطاب أو استجابة طبيعية للتحولات التي شهدها العالم والمجتمع العربي،   بل تجاوز بعضها ذلك إلى إعادة النظر في مفاهيم تشكل جوهر الهوية الفكرية للبعث ذاته.

ومن هنا تنشأ الإشكالية التي تناقشها هذه المحاضرة. فنحن لسنا أمام خلاف لغوي بين من يحب كلمة «التجديد» ومن يخشاها، ولا أمام صراع بين جيل يريد المستقبل وجيل يتمسك بالماضي ...... إن القضية أعمق من ذلك بكثير: ‌‎هل يمكن أن نعيد النظر في الثوابت التي قام عليها فكر البعث، ثم نستمر في تسمية الناتج بعثاً؟

 نحن لا نرفض التطور ولا ندعو إلى تجميد الفكر؛ فالعصر يتغير، ومعه تتغير أدوات السياسة والاقتصاد والإعلام والتنظيم..... لكن هناك فرقاً بين تجديد الأدوات لخدمة المبادئ، وتغيير المبادئ نفسها باسم التجديد.

 

‌‎فالثوابث والعقيدة ليست تجربةً بشرية قابلة للنقد، بل هي الأساس الفكري الذي تقوم عليه الامم وتنشأ الدول ....فإذا نُزعت تغيرت هوية الفكرة ‌‎فإذن أصبحت الأمة هنا موضع شك، والوحدة قابلة للتجاوز، والقومية مفهوماً ينبغي الاعتذار عنه، والاشتراكية إرثاً ينبغي التخلص منه، والرسالة الحضارية فكرةً من الماضي،   ويصبح السؤال هنا حتمياً: ما الذي بقي من الامة ومن  البعث؟

 ليس كل تغيير هو تجديداً؛ فقد يكون تطويراً وتصحيحاً او تعديلا او استبدال، وقد يتحول إلى تفكيك تدريجي للفكرة مع الاحتفاظ باسمها........ ومن هنا تنطلق محاضرتنا من سؤالين أساسيين: ما الذي يمكن أن يتغير ويبقى البعث بعثاً؟

وما الذي إذا تغير، نكون قد تجاوزنا التجديد إلى تغيير هوية الفكرة نفسها؟

 هنا تحديداً تبدأ جدلية الثوابت والتجديد. حين تم اقرار عنوان هذه المحاضرة: بعنوانها «البعث: بين الثوابت ودعوات التجديد»، لم أنطلق من افتراض أن الجدل حول التجديد هو جديد او طاريء او مستحدث فرضته أزمات الحاضر، أو أنه سؤال لم يعرفه الحزب إلا في السنوات الأخيرة...... لا بل العودة إلى تاريخ البعث تكشف لنا أن هذا السؤال، بصيغ مختلفة، رافق الحزب منذ عقوده الأولى، وأن محاولات إعادة تشكيل صورته، والطعن في تراثه، وإعادة تفسير مفاهيمه، وتبديل بعض معالمه مع الاحتفاظ باسمه، ليست ظاهرة جديدة.

 ‌‎ولعل من أكثر النصوص دلالة على ذلك كلمة ميشيل عفلق «النضال ضد تشويه الحزب» التي ألقاها في 18 كانون الثاني عام 1966 ‌‎كان الحزب يومها لا يزال قريب العهد نسبياً بتأسيسه، ومع ذلك كان عفلق يحذر من ظاهرة رآها شديدة الخطورة، فقال عن الحزب: ‌‎«"تبدلت معالم هذا الحزب لا بل بُدلت وفق مخططات وتصميم وعمل دائب، حتى يتحول هذا الحزب في عقيدته ‌‎وفي سياسته وفي تنظيمه وفي أخلاقيته... واحتفظ باسم الحزب" » ......‌‎هذه العبارة، على قصرها، تضعنا مباشرة أمام جوهر القضية التي نناقشها اليوم، فالمشكلة التي حذر منها عفلق لم تكن اختفاء اسم البعث، بل كانت إمكان بقاء الاسم بعد تبدل المضمون.

 ‌‎أي أن الخطر الأكبر على أية عقيدة ليس بالضرورة أن يأتي من شخص يعلن رفضها صراحة، وإنما قد يأتي ممن يحتفظ باسمها، ثم يعيد تعريف مفاهيمها واحداً تلو الآخر، حتى نستيقظ ذات يوم فنجد الاسم باقياً، بينما الفكرة التي كان يدل عليها قد تبدلت.

‌‎والملفت للنظر أن عفلق تحدث في النص نفسه عن جيل من الحزبيين بدأ يشكك في ماضي الحزب وتراثه وفي الجيل الذي أسسه، ثم طرح سؤالاً بالغ الدلالة: كيف يمكن أن يبقى هذا هو حزب البعث إذا شُوّه ماضيه وفُصل حاضره عن جذوره؟

 ‌‎لكن الإنصاف الفكري يقتضي أن نقول أيضاً إن عفلق لم يكن عدواً للتجديد ‌‎بل قال صراحة: ‌‎.«إننا لم نقل بأن هذا الحزب لا يحتاج إلى التجدد» ‌‎ووصف فكر الحزب بأنه فكر «ناقد لنفسه»، يعترف بالنقص ويدعو إلى التصحيح والتطوير........ ‌‎لأن عفلق، وهو يدعو إلى التجدد، يرفض في الوقت نفسه قطع الصلة بتراث الحزب وماضيه، ويقول إن الحركة العقائدية لا تستطيع أن تنمو إذا انقطعت عن تراثها.

 ثم يقدم صيغة بالغة الأهمية: ألا نتجمد عند الماضي، ولكن أن نبقى متصلين به اتصالاً حياً واعياً..

 ‌‎إذن، حتى في السنوات الأولى، لم يكن السؤال هل نجدد أم لا نجدد؟ ‌‎بل كان السؤال الحقيقي ‌‎أي تجديد نريد؟ وأين ينتهي التجديد ويبدأ التشويه؟

 ‌‎ولكي لا يبقى حديثنا عن مفهوم التجديد اجتهاداً في تفسير فكر عفلق، دعونا نعود إلى عفلق نفسه، ونقرأ كيف علاقة الأصالة بالتجديد في عدد من نصوصه وعناوينه الفكرية.

 ‌‎«روح الأمة وروح العصر»: ندخل العصر ونأخذ بأدواته، ولكن بروح الأمة وهويتها، لا بالذوبان فيه.

 ‌‎«الجيل العربي الجديد»: الجيل الجديد لا يهدم ماضي أمته ليكون حديثاً، بل يحمل قضيتها إلى المستقبل بأدوات عصره.

‌‎«صالة الأمة قوة نضالية متجددة»: الأصالة ليست جموداً، بل ثبات الهوية مع التجدد المستمر في وسائل النضال والعمل.

 ‌‎«لبعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد»: جِدّة البعث كانت في وعيه واستجابته لواقع عصره، لا في التخلي عن جذوره القومية.

 ‌‎«النضال سبيل الجيل الجديد إلى تحقيق الانقلاب العربي»: التجديد هو تطوير قدرة الفكرة على تغيير الواقع، لا تحويل «حزب الانقلاب» إلى حزب ينساب مع التيار السائد.

(وبالانقلاب المقصود الانقلاب على الواقع). ‌‎«النضال ضد تشويه الحزب»: الحزب يحتاج إلى النقد والتجدد والتطوير، لكن تغيير جوهره ثم الاحتفاظ  باسمه ليس تجديداً بل تغييراً لهويته.

‌‎عندما نضع هذه النصوص جنباً إلى جنب، نجد خيطاً فكرياً واحداً عند عفلق: الأمة لا تختار بين الأصالة والتجديد. الأصالة تحدد هويتها ووجهتها، والتجديد يمنحها أدوات الحركة في عصرها. فالذي يتجدد هو الوعي والأسلوب والأداة، أما روح الأمة فهي التي تعطي لهذا التجدد معناه واتجاهه وهذا هو السؤال الذي أريد أن أعيد طرحه اليوم، بعد ستة عقود تقريباً من تلك الكلمة.

 

إن موقفي في هذه المحاضرة (وهو موقف يجمعني مع الكثيرين من هذا الجمع الكريم)، واضح: أنا لا أرفض تطور الوسائل، ولا تحديث لغة الخطاب،  ولا النقد الذاتي، ولا تطوير التنظيم وأساليب العمل بما يتلاءم مع العصر.................. لكنني أرفض أن تتحول كلمة «التجديد» إلى بوابة لمراجعة الثوابت التي تمنح البعث هويته الفكرية.

التجديد في مفهومنا ليس تخفيف الأعباء، بل تحمل أعباء جديدة. ‌‎هذه هي القضية. ‌‎العالم يتغير؟

 ‌‎نعم ‌‎إذن أمامنا مسؤوليات جديدة........ ‌‎التكنولوجيا تتغير؟

 ‌‎نعم ‌‎إذن علينا أن نتقن أدواتها....... ‌‎الاقتصاد يتغير؟

 ‌‎فلنبحث عن أدوات جديدة لتحقيق العدالة الاجتماعية...... ‌‎أشكال الهيمنة تتغير؟

 ‌‎فلنجدد وسائل مقاومتها...... ‌‎وسائل تشكيل الوعي تغيرت؟

 ‌‎فلندخل معركة الوعي بأدوات القرن الحادي والعشرين.... ‌‎أما أن يتغير العالم فنقرر نحن أن نغير عقيدتنا، فأي ثورة هذه؟

‌‎الثوري لا يغير قضيته عندما تتغير ظروف المعركة. ‌‎الثوري يغير أدواته لكي يبقى قادراً على خوض المعركة ذاتها.

 ‌‎لسنا ضد التجديد... نحن ضد تبديل الهوية. ‌‎لو اتينا الى مراجعة بعض من ثوابت البعث لوجدنا ثابتة غير قابلة للتفاوض: الثورة عند البعث ليست محطة... إنها حالة دائمة لأن الثورة في مفهوم البعث لا تتوقف عند حد. الثورة ليست انقلاباً. وليست بياناً أول. وليست وصولاً إلى السلطة. وليست مرحلة نقول بعدها: انتهى النضال، فلنسترح.

 الثورة حالة كفاح دائم. كلما أنجزت الأمة مهمة ظهرت أمامها مهمة أخرى. وكلما تجاوزت تحدياً ظهر تحدٍّ جديد. وكلما تغيرت أدوات خصومها كان عليها أن تطور أدواتها. ولهذا فإن التجدد ليس خروجاً على الثورة. التجدد هو أحد شروط استمرار الثورة.

 ‌‎كذلك مسالة وجود الامة وكينونتها. ‌‎نحن أبناء أمة وُلدت في معركة وجود ‌‎وأمتنا لم تولد في فراغ. ‌‎ولم يعطها التاريخ ترف أن تعيش على هامشه.

 ‌‎لقد وجدت نفسها، منذ تشكل وعيها الحضاري، أمام سؤال الوجود. ‌‎أن تكون أو لا تكون. ‌‎أن تمتلك قرارها أو يمتلكه الآخرون. ‌‎أن تصنع تاريخها أو يُكتب لها تاريخها........ ‌‎ودعوني أطرح عليكم سؤالاً: ‌‎حين نشأ فكر البعث، في أي واقع وُلد؟

 وأمام أية معركة وجد نفسه؟

 ‌‎لقد وُلد في مرحلة كانت الأمة العربية فيها تواجه الاستعمار والتجزئة والانتداب، وكانت قضية التحرر والاستقلال والوحدة في قلب السؤال القومي.

 ولذلك لم ينشأ البعث تنظيراً مجرداً بعيداً عن الواقع، بل ـ كما يقول ميشيل عفلق في النص الذي انطلقنا منه ، دخل النضال منذ بداياته، وكان النضال نفسه أحد المصادر التي صاغت فكره.. ‌‎ولنضع الفكرة سريعاً أمام اختبار التاريخ: ‌‎نشأة البعث: وُلد الفكر في واقع الاستعمار والانتداب والتجزئة؛ فكان التحرر والاستقلال والوحدة في صلب المشروع، وكان النضال نفسه جزءاً من تكوين فكره. ......‌‎فلسطين 1948: كشفت النكبة كلفة التجزئة والعجز، فتحولت الوحدة من فكرة قومية إلى سؤال يرتبط بالقوة والوجود والمصير. ‌‎3. السويس 1956: اتسعت معركة التحرر من تحرير الأرض إلى تحرير القرار والثروة؛ فأصبح الاستقلال السياسي ‌‎مرتبطاً بالسيادة الاقتصادية...... ‌‎الوحدة 1958 والانفصال 1961: انتقلت الوحدة من الشعار إلى تجربة الدولة. 8 شباط في العراق و8 آذار في سورية 1963: انتقل البعث من النضال خارج السلطة إلى امتحان الحكم: كيف تتحول العقيدة والشعارات إلى دولة ومؤسسات وسياسات؟ 23 شباط 1966: انتقل الخلاف إلى داخل البعث نفسه، وأصبح السؤال: أين ينتهي التطوير، وأين يبدأ تغيير هوية الحزب مع الاحتفاظ باسمه؟

 انتكاسة 1967: أعادت سؤال القوة إلى الواجهة؛ فلم يعد الاستقلال إرادة سياسية فقط، بل أصبح مرتبطاً بالدولة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والقدرة العسكرية........ 17 تموز 1968 في العراق: دخل البعث مرحلة بناء الدولة، فأصبحت التنمية والتعليم والتصنيع والنفط وبناء المؤسسات من أدوات تحقيق المشروع السياسي. ‌‎حرب تشرين 1973: دخل الاقتصاد بقوة إلى ميدان الصراع، وبرز النفط أداة ضغط سياسية إلى جانب الأدوات العسكرية. .....العولمة وعصر التكنولوجيا: تغيرت أشكال النفوذ والتبعية، فأصبحت المعرفة والإعلام والتكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والثقافة ميادين جديدة للاستقلال والسيادة. أن يتغير الميدان فتتغير الأداة؛ لا أن يتغير الميدان فنغيّر البوصلة. والان.......... ‌‎دعونا نختبر كلمة «التجديد» قبل أن نصفق له: عد أن رأينا كيف ربط عفلق بين الأصالة والتجديد، دعونا نتوقف قليلاً ونقوم بتمرين فكري بسيط: ماذا لو طبّقنا المنطق نفسه على الآخرين؟

 ماذا لو ذهبنا إلى الحزب الجمهوري الأمريكي، الذي يعود تاريخه إلى عام 1854، وقلنا له: لقد تغير العالم، وعليك أن «تتجدد»؟ سيكون السؤال الأول: ماذا تريدون منا أن نغيّر؟ ‌‎خطابنا؟ برامجنا؟ أدواتنا السياسية؟ هذه كلها تتغير.

 

‌‎لكن هل يعني التجديد أن تتخلى أمريكا عن تصورها لنفسها، وعن مصالحها القومية، وعن إيمانها بخصوصية التجربة الأمريكية ومكانتها في العالم؟

 ‌‎أمريكا غيّرت الرؤساء والسياسات والأدوات مراراً، وانتقلت من زمن ثيودور روزفلت وسياسة القوة والتوسع في النفوذ إلى عالم التكنولوجيا والعولمة؛ لكنها لم تستيقظ ذات صباح لتقول: لقد أصبح الدفاع عن المصلحة الأمريكية فكرةً قديمة، فلنتخلص منها حتى نصبح أكثر حداثة.

 ‌‎هم يغيّرون أدوات القوة كي تبقى أمريكا قوية، فلماذا يُطلب منا أن نغيّر الفكرة نفسها كي نثبت أننا متجددون؟ ‌‎وهنا يصبح السؤال أكثر استفزازاً: ‌‎لماذا يُسمّى تمسّك أمريكا بهويتها ومصالحها «استراتيجية وطنية»، بينما يصبح تمسّكنا بهويتنا القومية عند البعض «جموداً فكرياً» يحتاج إلى التجديد؟

‌‎عندما نذهب إلى حزبٍ عقائدي، قام أساساً على فكرٍ سياسي صاغ رؤيته للدولة والمجتمع وحدّد تصوره لهوية الأمة؛ حزبٍ ليس مجرد تجمع انتخابي نفعي يتغير برنامجه بحسب صندوق الاقتراع، كحزب البعث، ثم نقول له ‌‎لكي تصبح معاصراً، عليك أن تتخلى عن هويتك الفكرية، وأن تنظر إلى تاريخك باعتباره عبئاً، وأن تعيد تعريف نفسك وفق منظومة فكرية أخرى؛عندها لن نكون أمام «تجديد» بالمعنى البسيط، بل أمام سؤال أعمق: في أي لحظة يصبح التغيير كبيراً إلى درجة أننا نتحدث عن مشروع مختلف؟

 لنجرب أمثلة أكثر استفزازاً للفكر: هل تجديد الحرية يعني التخلي عنها لأنها فكرة قديمة؟

 هل تجديد الديمقراطية يعني إلغاء إرادة الناخب لأنها مفهوم موروث؟

 وسأستعير هنا بعضا مما كتبته سابقاً عن الديناصورات والأخطبوط البراغماتي. ‌‎لقد وُصف المتمسكون بثوابت البعث بـ«الديناصورات»، وكأن الثبات على المبدأ يعني العجز عن مواكبة العصر.

 لكن البديل عن الجمود ليس أن نتحول إلى أخطبوط براغماتي يمد أذرعه في كل اتجاه ويتلون مع كل ظرف حتى يفقد هويته.

 ‌‎والخطر الذي أحذر منه اليوم أخطر من مجرد خلاف حول مفهوم التجديد: أن تُستخدم المؤسسة لهدم المؤسسة ذاتها من الداخل، ثم يُخرج لنا من أنقاضها كيانٌ مشوّه يحمل الاسم نفسه، ليُقال بعد ذلك إن الأصل قد تجاوزه الزمن.

 وهنا تحضر أمامي مفارقة تكاد تكون ساخرة: عفلق أراد البعث حزبَ انقلابٍ على الواقع؛ حزباً لا يستمد شرعيته من مسايرة السائد، بل من إرادته في تغيير واقع الأمة. فماذا نفعل نحن اليوم بهذا المفهوم تحت عنوان «التجديد»؟ هل نجدد حزب الانقلاب… بأن نعلّمه كيف ينساب مع التيار؟

 هل تصبح المعاصرة أن نتبنى كل فكرة لأنها رائجة، ونتخلى عن كل فكرة لأنها أصبحت ثقيلة على مزاج العصر؟

 عفلق تحدث عن الانقلاب، ونحن نخشى أن ينتهي بنا بعض التجديد إلى الانسياب؛ هو أراد فكراً يصنع تياراً، لا فكراً يسأل كل صباح: إلى أين يتجه التيار كي ألحق به؟

 فإذا كان «حزب الانقلاب» سيصبح حزبَ الانسياب مع كل تيار شائع، فقولوا لنا: على ماذا بقي ينقلب؟

 ‌‎التجديد الذي يليق بفكرة انقلابية هو أن تتجدد قدرتها على تغيير الواقع، لا أن تتجدد قدرتها على التكيف معه حتى الذوبان فيه.

‌‎وأخطر ما أخشاه من «التجديد» المطروح عندنا ليس تغيير بعض الأدوات، بل أن يصل إلى حظر تاريخ الأمة ومستقبلها معاً: أن تصبح هويتها وذاكرتها ومشروعها القومي من المحظورات، وأن يصبح مجرد الحديث عن مستقبلها ووحدتها ونهضتها تهمةً يجب الاعتذار عنها.

 ‌‎نعم، يجب أن نتجدد، ولكن التجديد يكون في الأدوات والأساليب، لا في البوصلة. ‌‎ولهذا أقول لكم في ختام حديثي: ‌‎جدّدوا، ناقشوا، انتقدوا، راجعوا، ولا تخافوا من أسئلة العصر؛ ولكن لا تسمحوا لسؤال التجديد أن يتحول إلى سؤال عن حق الفكرة نفسها في البقاء. ‌‎التجديد الذي نريده ليس أن نصنع بعثاً على مقاس العصر، بل أن نصنع بعثاً قادراً على مواجهة العصر.

 ‌‎الفكرة لا تبقى باسمها، بل بما يبقى فيها من جوهرها. والأمة كذلك لا يحفظها اسمٌ إذا فقدت المقومات التي صنعت شخصيتها وذاكرتها ووجودها ‌‎ولعل أحمد شوقي لخّص هذه الحقيقة حين قال: ‌‎وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبو ............اوأقول قياساً على معناه: ‌‎ وكذلك الأفكار؛ ما بقي جوهرها بقيت، فإذا ذهب جوهرها، فلن ينقذها بقاء الاسم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

       الرفيقة الدكتورة بيان

‌‎الخامس من شهر تشرين الأول عام 2026