قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 1 نوفمبر 2026

د. لقمان الربيع: الأردن: من شراء الولاء إلى شللية الفساد

 

 

الأردن: من شراء الولاء إلى شللية الفساد

د. لقمان الربيع

في المقال السابق طرحنا السؤال الوجودي الأخطر: هل يمكن لنظام بُني على "شراء الولاء" أن يستمر في عالم لم يعد فيه مال كافٍ؟ لم تكن الإجابة كما توقعنا. النظام لم ينتظر حتى يجفّ الجيب تماماً. بل قبل أن ينقطع المال، اتجه نحو استراتيجية أكثر خطورة: تحويل الدولة إلى ملكية خاصة تدار حصراً بين شبكة مغلقة من البرامكة ورجال المخابرات. لم تعد المسألة مجرد توزيع مناصب مقابل الولاء، بل أصبحت إدارة الوطن كشركة عائلية مغلقة الأبواب.

كانت الأمور واضحة في العقود الماضية. النظام كان يشتري الهدوء. المناصب توزع لتهدئة المطالب. المحسوبية كانت موجودة بلا شك، لكنها لم تكن منظّمة بهذا القدر من الدقة. الأقليات والعائلات الوافدة كانت تُستخدم كأدوات توازن سياسي، تتحرك وفقاً لحاجة اللحظة. ثم حدث التغير. لم تعد المناصب تُشترى بالمال، بل باتت تورّث ضمن دائرة مغلقة من البرامكة ورجال المخابرات. الولاء لم يعد يُستبدل بانتماء للشبكة الواحدة، وانحصر الانتماء الحقيقي في حلقة ضيقة جداً لا يسمح بالدخول إليها إلا عبر روابط عائلية أو شخصية نادرة جداً. هنا تكمن المفارقة: النظام القديم كان يوزع المناصب على فئات واسعة للحفاظ على التوازن الاجتماعي. النظام الحالي يتركز في يد مجموعة مغلقة، بينما مئات الآلاف من الكفاءات المستبعدة خارج الحلبة.

المفارقة الأخطر في المشهد الأردني هي أن رجال المخابرات لا يشغلون المناصب الوزارية العلنية، بل يديرون الدولة من الخلف. هم الوزراء الفعليون الذين لا تظهر أسماؤهم في التشكيلات الحكومية، لكنهم يقررون من يصبح وزيراً ومن يُستبعد. المناصب الحيوية في الدولة لم تُوزَّع على أساس من هو الأجدر، بل على أساس من هو الأكثر "أمانة" للنظام. والأمانة هنا لا تعني الصدق أو النزاهة، بل تعني الانتماء لشبكة المخابرات نفسها. الآلية تعمل بهذه الدقة المرعبة: وزارة أو مؤسسة تدار من شخص ظاهرياً منتخب أو معين، لكن القرار الفعلي يأتي من وراء الستار. عند استبدال الوزير، لا يُستشار الشعب ولا مجلس النواب، بل تُتخذ القرارات في غرف مغلقة بعيداً عن الأنظار. وهكذا تتكرر الدورة بين نفس المجموعة، وكأن المناصب إرث عائلي غير مكتوب. رجال المخابرات لم يعودوا مجرد جهاز أمن، بل أصبحوا الإدارة الفعلية للدولة. يديرون الاقتصاد، يوزعون المناصب، يقررون من يُعين ومن يُعزل. الدولة تحولت إلى جهاز مخابرات مُوسَّع، يخدم مصالح البرامكة ولا يخدم شعبها.

أخطر ما في الأمر هو تزوير الانتخابات النيابية بشكل ممنهج. المواطن الأردني اليوم يدرك يقيناً أن صوته لا يُحسب، وأن النتائج تُحدَّد قبل يوم الاقتراع بعشرة أيام. الانتخابات لم تعد وسيلة لتمثيل الشعب، بل أصبحت أداة لترشيح من يريد النظام ترشيحه. الأحزاب المستقلة تُهمَّش، والقوائم المستقلة تُعرقل، والمرشحون الذين لا يوافقون أجندة النظام يُستبعدون بكل الطرق الممكنة. التلاعب بقوانين الانتخاب، وتغيير الدوائر عشوائياً، والضغط على الناخبين، واستخدام الأجهزة الأمنية لتوجيه التصويت – كلها أدوات تُستخدم لضمان النتيجة المطلوبة مسبقاً.

مجلس النواب في الأردن اليوم ليس مجلساً نيابياً، بل ديواناً للزينة. مهمته الوحيدة تمرير أجندات الحكومات المتعاقبة باسم "الشعب". المقاعد النيابية تُوزَّع وفق حسابات أمنية وليس وفق إرادة ناخبين حقيقيين. المجلس لا يُشرِّع القوانين لصالح المواطنين، بل يشرّع ما يُطلب منه. لا يراقب الحكومة، بل يغطي أخطاءها. لا يمثل الشعب، بل يموّل النظام. أي نائب يجرؤ على طرح سؤال حقيقي أو طلب ملف فساد يُستبعد فوراً من القائمة التالية. أي عضو يحاول مساءلة وزير يُوجَّه إليه تهمة "الإضرار بالمصلحة العامة". المواطن يعرف أن البرلمان فارغ من المحتوى الحقيقي. يعلم أن القوانين التي تُصوَّت عليها هي قوانين جاهزة مُعدَّة مسبقاً. يعلم أن الأسئلة البرلمانية استعراض فارغ لا أثر له على أرض الواقع.

الفساد في هذه المرحلة لم يعد مجرد سرقات فردية أو اختلالات إدارية عابرة. بل أصبح نظام تشغيل كامل للدولة. الفساد اليوم أداة لضمان الولاء. من يشارك في السرقة يبقى مرتبطاً بالشبكة، لأنه يملك ما يخشاه. من يرفض المشاركة يُقصَى ويُكتشف عنه كل شيء. الفساد يُستخدم لـإقصاء المعارضين وتهميش من لا يخدمون مصالح الشبكة، وليس مجرد نتيجة للفوضى الإدارية. ما يُسرَق من المال العام لا يخرج من الشبكة. يستثمر في شركات مملوكة لأفراد الشبكة. يودع في بنوك خارجية لأعضاء الشبكة. يُصرف على مشاريع تعود بالفائدة على نفس الدائرة المغلقة. الدورة المغلقة كاملة: المال العام يتحرك داخل جدران مغلقة، لا يصل منه شيء للاقتصاد الحقيقي، ولا لخدمات الشعب الذي يحتاجه فعلياً.

البرامكة ليسوا عائلة واحدة، بل هم مفهوم. كل عائلة صغيرة تخدم النظام، وتحويه، وتموله. هم البرامكة في الحكومة، البرامكة في المخابرات، البرامكة في البرلمان. كلما ظهرت حالة فساد، يُضحَّى بشخصية هامشية. أما كبار المفسدين؟ هم آمنون دائماً. لأنهم جزء من النظام، والنظام لا يضحي ببنائه الأساسي لحماية سمعته. المشهد اليومي مؤلم: مسؤول كبير يُحاكم بتهمة فساد بسيط، ثم يُغلق الملف فجأة. لماذا؟ لأنه ليس مهماً، ولأن كشفه سيؤدي لسقوط آخرين أكبر منه. البرامكة تعلَّموا جيداً كيف يحمون أنفسهم: كل واحد منهم له قيمة أمنية للنظام، ولا أحد يجرؤ على المساس بهم.

العشائر الأصيلة التي كانت تشكل العمود الفقري للدولة، والتي أعطت أبناؤها أرواحهم دفاعاً عن الحدود، الآن تواجه مصيراً مؤلماً. أبناء هذه العشائر عاطلون عن العمل رغم أعلى المؤهلات. ممنوعون من المناصب العليا والقرار الفعلي. يُنظر إليهم كشريحة محتملة قد تهدد استقرار النظام، لذا يتم تهميشهم تدريجياً. هذا التهميش خلق شرخاً وجودياً عميقاً بين النظام وأوسع قاعدة اجتماعية  بالاردن. ما كان يوماً حلفاً قوياً أصبح اليوم صدعاً يخشى النظام أن يتسع أكثر.

اعتقال الناشطين لم يعد ممارسة ظرفية، بل أصبح جزءاً من النظام التشغيلي. المعتقلون اليوم ليسوا مجرمين عاديين، بل نشطاء يطالبون بحقوقهم الاقتصادية، وصحفيون يكشفون ملفات الفساد، وشباب من العشائر الأصيلة يتحدون التهميش. القضية لم تعد مجرد اعتقال فردي، بل نمط متكرر. اعتقال ناشطين لمنع كشف الملفات. استخدام قوانين فضفاضة لتبرير القمع. ضغط على عائلات المعتقلين لكسر الإرادة الجماعية. الإعلام الرسمي لم يعد ينتقد النظام، بل ينتقد "المؤثرين على الإنترنت". يستخدم التهمة القانونية كبديل للنقاش السياسي. يوجّه الغضب الشعبي ضد أفراد لا يمثلون التهديد الحقيقي، ليحمي التهديد الأكبر.

المساعدات الخليجية تناقصت مع تغير أولويات المنطقة. المساعدات الأمريكية مشروطة بإصلاحات لا يحدث منها شيء على أرض الواقع. الديون الدولية وصلت حدود الخطر. الشباب الأردني يواجه بطالة تزيد عن ثلاثين في المائة. تكلفة المعيشة تضاعفت ثلاث مرات خلال عقد واحد. الخدمات الصحية والتعليمية تدهورت بشكل كارثي، ولم يعد بالإمكان تبرير هذا الوضع بـ "ظروف اقتصادية صعبة". شبكات التواصل الاجتماعي كسرت احتكار المعلومات. قبل عشرين عاماً، كان الشعب يعرف فقط ما تصل إليه وسائل الإعلام الرسمية. اليوم، الشعب يعرف أكثر بكثير مما تريد الدولة أن تعرفه عنه. التداول الإلكتروني كسر الاحتكار الإعلامي، وأصبح المواطن يرى بنفسه حجم الثراء الفاحش للبرامكة والشبكة الحاكمة مقابل فقره هو.

الخيار الأول هو الاستمرار على ما هو عليه. النتيجة متوقعة: انفجار اجتماعي متوقع خلال سنوات قليلة قبل الوصول لنقطة اللاعودة. السكان لن يقبلوا الفقر الأبدي مقابل استقرار وهمي. الخيار الثاني هو الإصلاح الجذري. لكنه يتطلب فتح ملفات الفساد الحقيقية، وليس الرمزي فقط. يتطلب كسر احتكار المناصب على الشبكة الواحدة. يتطلب عودة العشائر الأصيلة للمشاركة الفعلية في القرار. يتطلب عدالة اقتصادية حقيقية، وليست شعارات. المخاطر في هذا الخيار: النظام قد يفقد السيطرة على أدواته التقليدية للبقاء. الفائدة المحتملة: فرصة للوجود كدولة مواطنين مائة سنة أخرى، لا كملكية خاصة توارثها البرامكة ورجال المخابرات.

هل يستطيع النظام أن يقتل النظرية التي حفظته مائة سنة ليولد نظرية تحفظه مائة سنة قادمة؟ الإجابة الواقعية ليست مشجعة. النظم السياسية نادراً ما تختار الإصلاح طواعية قبل أن تُجبر عليه. غالباً ما تنتظر حتى يكون الإصلاح ضرورة ملحة للبقاء، لا رفاهية اختيارية. الأردن اليوم في نقطة لا تزال فيها البدائل ممكنة، لكنها ستختفي قريباً. كل يوم يمر بدون إصلاح حقيقي يقلل مساحة الخيارات المتاحة.

لا بد من كشف الحسابات المالية للبرامكة والشبكة الحاكمة علناً، وليس محاكمات رمزية لإطلاق غاز في اتجاه خاطئ. لا بد من إعادة توزيع المناصب بناءً على الكفاءة لا الانتماء العائلي. لا بد من استقلال القضاء فعلاً، لا شكلاً فقط على الورق. لا بد من حرية انتخابية حقيقية، حيث يُحسب صوت المواطن ولا يُتلاعب بنتائج الاقتراع. لا بد من مجلس نواب حقيقي، لا ديوان للزينة يصدّق قرارات جاهزة. لا بد من فصل السلطات فعلياً، لا تنظيماً شكلياً. لا بد من حرية إعلامية تسمح بالكشف عن الفساد دون عقاب. لا بد من حوار وطني حقيقي يشمل العشائر الأصيلة والمعارضة والقطاع الخاص، لا جلسات استماع شكلية تدار من القصر.

إذا لم يحدث هذا، سيبقى الأردن دولة تشتري الوقت بالأزمات المتتالية، وليس دولة تبيع المستقبل للكفاءة والإنجاز. والسؤال الذي يجب أن نطرحه كل صباح، مع كل شاب عاطل عن العمل، ومع كل عائلة تعاني من غلاء المعيشة، ومع كل معتقل سياسي: كم مرة سنسمح لهذا النظام بتكرار نفس الأخطاء قبل أن نقول كفى؟

ملاحظة: التحليل السياسي في هذا المقال يعكس قراءات متعددة للمشهد الأردني القائم بناءً على تقارير شفافية دولية ومصادر متنوعة حول الفساد والمحسوبية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق