- يُعدّ كلود ليفي ستروس من أبرز علماء الأنثروبولوجيا في القرن العشرين، وقد أسّس ما يُعرف بـ
الأنثروبولوجيا البنيوية، وهي مقاربة تحاول فهم الثقافات البشرية من خلال البحث عن البُنى العميقة التي تنظّم الفكر والسلوك الإنساني.
ترى الأنثروبولوجيا البنيوية أن
الظواهر الاجتماعية والثقافية — مثل الأساطير، والقرابة، والطقوس، واللغة — ليست
عشوائية، بل تخضع لأنظمة وبُنى عقلية مشتركة بين البشر.
استلهم ليفي ستروس فكرته من
اللسانيات البنيوية عند فرديناند دي سوسير، الذي ميّز بين:
اللغة كنظام (Structure)
والاستعمال الفردي للكلام
فطبّق ليفي ستروس هذا المنهج
على الثقافة والمجتمع.
يرى أن:
العقل البشري يعمل بطريقة واحدة
لدى جميع الشعوب، البدائية والمتقدمة، لكنه يُنتج أشكالًا ثقافية مختلفة.
أي أن الاختلاف بين الثقافات هو
اختلاف في المظاهر، بينما توجد بنية عقلية مشتركة في العمق.
1. البنية
(Structure)
البنية هي النظام الخفي الذي
ينظم العلاقات داخل المجتمع أو الثقافة.
مثال: في نظام القرابة، لا يهم
الأفراد بقدر ما تهم العلاقات بينهم:
الأب / الابن
الزوج / الزوجة
الأخ / الأخت
2. الثنائيات الضدية
اعتمد ليفي ستروس على فكرة أن
العقل الإنساني يفكر عبر أزواج متقابلة مثل:
الطبيعة / الثقافة
الحياة / الموت
الخير / الشر
النيء / المطبوخ
وقد حلّل كتابه الشهير The Raw and the Cooked العلاقة الرمزية بين “النيء” و“المطبوخ”
باعتبارها انتقالًا من الطبيعة إلى الثقافة.
3. الأسطورة
يرى ليفي ستروس أن الأساطير
ليست خرافات ساذجة، بل هي نظم فكرية تعبّر عن البنية العقلية للمجتمع.
وكان يقوم بتفكيك الأسطورة إلى
وحدات صغيرة سماها:
“الميثيمات”
(Mythemes)
ثم يدرس العلاقات بينها كما
يدرس اللغوي الأصوات داخل اللغة.
4. القرابة وتبادل النساء
في كتابه The Elementary Structures of Kinship اعتبر أن الزواج ليس مجرد علاقة بيولوجية، بل نظام تبادل
اجتماعي يخلق التحالفات بين الجماعات.
وربط ذلك بتحريم زواج المحارم،
الذي يدفع الجماعات إلى التبادل والزواج الخارجي.
البحث عن القوانين العامة
المشتركة
التركيز على العلاقات لا
العناصر المنفردة
دراسة البنية العميقة بدل
الظواهر السطحية
اعتبار الثقافة نظامًا من
الرموز
تعرضت أفكار ليفي ستروس لعدة
انتقادات، منها:
إهمال التاريخ والتغير
الاجتماعي
إذ ركز على البنى الثابتة أكثر
من التطور التاريخي.
المبالغة في دور العقل
حيث اعتبر بعض الباحثين أنه جعل
الثقافة مجرد انعكاس لبنية ذهنية.
التجريد الشديد
فأصبحت تحليلاته معقدة وبعيدة
أحيانًا عن الواقع المعيش.
رغم النقد، أثّر ليفي ستروس
بعمق في:
الأنثروبولوجيا
علم الاجتماع
النقد الأدبي
تحليل الأساطير
الفلسفة المعاصرة
كما مهد الطريق لتيارات مثل:
البنيوية
ما بعد البنيوية
ومن المفكرين الذين تأثروا به:
ميشيل فوكو
رولان بارت
جاك دريدا
الأنثروبولوجيا البنيوية عند
ليفي ستروس هي محاولة لاكتشاف القواعد العقلية العميقة التي تنظّم الثقافة
الإنسانية. وقد اعتبر أن الأساطير والقرابة واللغة ليست ظواهر منفصلة، بل أنظمة
رمزية تحكمها بنى مشتركة كامنة في العقل البشري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق