قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 24 يونيو 2026

بين طارق عزيز وميشيل عفلق : البذرة التي أصبحت شجرة

         بين طارق عزيز وميشيل عفلق : البذرة التي أصبحت شجرة


بقلم الأستاذ عزالدين القوطالي ـ تونس ـ
ـــــــــــــــــــــــــ
طارق عزيز ذلك المناضل العربي المسيحي الذي إنتمى للبعث وأعطاه نكهة خاصة بأحاديثه ومقالاته
وصولاته وجولاته في المنابر الصحفية والثقافية وفي المحافل الدولية والدبلوماسية ، إذ كان الرجل أمة بأسرها يختصر في تجربته تاريخ العروبة وتسامح العرب وتلاقح الأديان وإلتقاء الحضارات ، رجل كلماته كالسيف لا يخشى صولة الصائلين ، ومبادؤه ذهب خالص لا يطاله الصدأ ، ومواقفه حاسمة وقاطعة لا تحتمل التراجع أو الإنهزام ، وقد ذكر زعيم الإسلاميين في الأردن المهندس ليث شبيلات ذات مرّة أنه عندما اشتدت الأزمة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية وأصبحت الحرب لا مفر منها قال له أبو زياد : وما ضرنا ؟ لقد تعودنا في شبابنا على النضال وعلى المعتقلات والسجون ويريدوننا أن ننحني لنتفادى ذلك ، لكننا مستعدون للعودة حيث كنا ومستعدّون لدفع الثمن راضين صابرين
...
هذا الرجل هو مستخلص بذرة زرعها الأستاذ ميشيل عفلق فأورقت وأينعت وأصبحت شجرة عظيمة يستظلّ بها المناضلون على أمتداد الوطن العربي كله ، إذ ترجع بداية العلاقة بين طارق عزيز وميشيل عفلق الى أوائل الخمسينات حيث إطلع طارق عزيز على كتابات الأستاذ ميشيل عفلق فأستهوته وأثّرت فيه وهو بعد مازال شابا يافعا ، وعن تلك المرحلة يقول طارق عزيز في حوار شهير مع الصحفي فؤاد مطر بتاريخ 25 تموز/ يولو 1989 : تعرّفت على الأستاذ ميشيل عفلق في بداية شبابي من خلال ما قرأته له في أوائل الخمسينات ، وقد إنفعلت بما قرأته وتأثرت به فحدّدت خياراتي الفكرية والسياسية في وقت مبكّر ، ثم تعرّفت إليه شخصيا بشحمه ولحمه بعد ثورة 14 تموز 1958 في العراق عندما جاء في زيارة ممثلا للجنة الإتصال الشعبي العربي وكان معه حينها الأستاذ يوسف الرويسي من تونس وفؤاد جلال من مصر للتهنئة بالثورة ، وتعرّفت عليه أكثر خلال فترة النضال السري بين 14 تموز 1958 و8 شباط 1963 إذ شاركت في مؤتمرين قوميين لحزب البعث عقد الأول في بيروت عام 1960 والثاني في حمص أثناء عهد الإنفصال عام 1962 ، وبعد ذلك إلتقيته مرات ومرات حينما مكثت في سورية لسنوات إثر نكسة الحزب في العراق وإنقلاب عبد السلام عارف على البعث والبعثيين حينها ، ثمّ أخيرا توطّد لقاؤنا وأستمر مسترسلا بدون إنقطاع عندما إستقرّ الأستاذ ميشيل عفلق نهائيا في بغداد ... وما يلفت الإنتباه حقا أن الأستاذ ميشيل عفلق ورغم كبر سنّه حيث تجاوز عمره النصف الثاني من السبعينات لم يكن يتحدّث كشيخ طاعن في السنّ يتعامل مع مفردات الواقع بإعتبارها حالة نهائية أو حالة مستمرة ، وإنما كان يتحدّث كمفكر مستقبلي ويربط أحداث الحاضر بآفاق المستقبل ، وكان رحمه الله يعمل بالتشاور مع عدد من القيادات الفكرية والسياسية العربية من جيله ومن الأجيال اللاحقة ، وكان عمله بهدوء وبأسلوب المفكر والقائد وصاحب الفكر المستقبلي في وضع مشروع للمستقبل يعيد للفكر القومي ديناميكيته وحيويته وقوّته ...
لقد إرتبط طارق عزيز بالأستاذ ميشيل عفلق فكريا وعقائديا وروحيّا ، وكان ذلك الإرتباط متينا وصلبا بشكل يستحيل معه التفريق بين الرجلين وكأنهما في الحقيقة رجل واحد وقلب واحد وعقل واحد ، ولذلك كان الأستاذ طارق عزيز أكثر البعثيين معرفة بطبائع وآلام وأحلام الأستاذ ميشيل عفلق إذ يقول في كلمته التأبينية يوم 29 جوان 1989 : إن ما إختاره الأستاذ ميشيل عفلق كان فريدا وصعبا وجديدا وأصيلا ، وأن مسيرته كقائد ومفكر كانت شاقة ومعقدة ومتشعبة ، وفي مسيرة كهذه تبرز على السطح ظواهر كثيرة جيدة ورديئة ، مشرقة ومظلمة ، ناجحة وفاشلة ، وفي كلّ ذلك كان ميشيل عفلق وكان رفاقه وحيدين يواجهون قدرهم ، بل والأنكى من هذا أنهم تعرضوا للظلم فكرا وسلوكا حتى من أولائك الذين سعى عفلق ورفاقه الى التفاعل والتكامل معهم ، وإن الجيل الذي عاصر ميشيل عفلق ومسيرة الحزب في السنوات الصعبة يعرف كل هذه الصفحات ويتذكر مرارتها ، والذين يعرفون ميشيل عفلق في تلك الأيام كانوا يحسون بما في قلب هذا الرجل العظيم من آلام وقلق ، كما يحسّون بما في قلب الرجل من تصميم عميق وإيمان صلب وثقة لا تتزعزع في المستقبل ، فقد كنّا نرى فيه ينبوعا متدفقا من الأفكار الأصيلة والجريئة والمشاريع المستقبلية ، ولسوف يأتي يوم يسجل فيه المؤرخون والمفكرون المنصفون أن ميشيل عفلق كان واحدا من أعظم رجالات العصر إذ عندما نلقي نظرة على العالم ونراجع ما كان يكتبه ويقوله ميشيل عفلق في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات وبعدها نكتشف الى أيّ مدى كانت بصيرة هذا الرجل عميقة ورؤيته مستقبلية ، ولهذا كله عاش ميشيل عفلق ورحل راضيا لأن الذين أرادوا الفتك به وبأفكاره لم يفلحوا في مبتغاهم بل هزموا وتهرأوا وبقيت تجربة البعث حية متجددة ومشروعا كبيرا للحاضر والمستقبل ... رحل الأستاذ ميشيل عفلق راضيا لأن البذرة التي بذرها والفكرة التي أطلقها وجدت بعد سنوات وسنوات التطبيق العملي الجاد الثابت والمشرق في عراق هذا البلد الذي أحبّه ميشيل عفلق حبا رومانسيا خاصا والذي أحبّ بعثيوه ميشيل عفلق حبّا رومانسيا خاصا أيضا ...
رحم الله الرفيقين الفقيدين طارق عزيز وميشيل عفلق وجعل سيرتهما شمعة تنير الطريق للاجيال التي وصلها خبرهما فزادههم الخبر والسيرة إيمانا بقضايا الأمة وتصميما على النهوض بأعبائها ومواصلة المشوار الذي إبتدأ مع الأوّلين ولن ينتهي أبدا الى أن يرث الله الأرض وما عليها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق