بين الأستاذين منج الصلح وميشيل عفلق : شهادة لبنانية في مفكّر سوري
بقلم الأستاذ عزالدين القوطالي
ـ تونس ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور منح الصلح سليل عائلة لبنانية عريقة تميزت بشخصياتها الفكرية والنخبوية والنهضوية التي
كان لها أثر سياسي وثقافي في لبنان على غرار والده عادل الصلح أحد أهمّ مؤسسي حزب الإستقلال الجمهوري وأعمامه كاظم الصلح صاحب جريدة النداء البيروتية وتقي الدين الصلح المثقف والسياسي الشهير وعماد الصلح الحقوقي وصاحب المواقف الإنسانية النبيلة ، كانت العائلة بأكملها قومية عربية وعروبية حتى النخاع إذ يقول الدكتور منح الصلح في مذكراته : لقد كان أول زعيم أحببته هو الثائر إبراهيم هنانو، وأوّل شهيد حفظت إسمه هو يوسف العظمة ، وأول نشيد ردّدته هو ـ بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ، وكان بيت العائلة لا يخلو من جرائد العرب والقومية العربية فهذه جريدة من اليمن مكتوب عليها ـ الإيمان يمان والحكمة يمانية ـ ، وتلك جريدة من مصر مكتوب عليها ـ الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة ـ ، وهاتيك من مكة أم القرى ، وهنالك من الجزائر جريدة محشوة بآيات قرآنية تدعو الى الانتفاض على الظلم ومحبة العروبة والإسلام ...
في وسط هذا الجو
نشأ الدكتور منح الصلح ونحتت شخصيته ثمّ تشكّل وعيه نهائيا حين إلتحاقه بالجامعة
الأمريكية ببيروت حيث يقول : كانت حرب فلسطين مشتعلة وإذ حلّت الكارثة ولّدت في
الجامعة الأميركية واحدة من أعمق ردات الفعل على الهزيمة ، فالشباب في الجامعة
عربي من كل بلاد العرب ، وفلسطينيون بنوع خاص ، ومن القوميين العرب بنوع أخص ، لذا
نشأ في تلك الجامعة آنذاك بعدان جديدان لفكرة القومية العربية : البعد الأول هو أن
فلسطين هي قلب الحركة العربية ، والثاني هو فكرة الكفاح المسلح ، وكان البعثيون قد
قالوا ما يشبه هذا الكلام من قبل فجاءت النكبة ومعها التفسير البعثي لها ...
لقد آمن منح الصلح
بالعروبة إيمانا راسخاً ورأى فيها كما في تآليفه ومحاضراته ، مهمة إنسانية ونزعة
حضارية مسالمة غير متوحشة ولا فتاكة ولا شوفينية ، ولذلك وجد نفسه في كتابات
الأستاذ ميشيل عفلق الذي عرفه من خلال أدبياته المتداولة في الجامعة والتي كان
يوزعها الطلبة العرب قبل أن يعرفه شخصيا ويلتقي به مباشرة بعد ذلك .
ورغم أنّ الدكتور
منح الصلح لم ينتمي الى حزب البعث في حياته إلاّ أن علاقته بمؤسس الحزب الأستاذ
ميشيل عفلق كانت علاقة متطوّرة وحميمية إذ جمعت بينهما لقاءات عديدة في فترات
مختلفة ، وكان منح الصلح شاهداً على اهتمام عفلق في مراحل متأخرة من حياته بتجديد
المشروع القومي العربي وتوسيعه ليشمل مفكرين مستقلين ، ولهذا الغرض أسس حلقة خاصة
في باريس ضمت على سبيل الذكر لا الحصر كل من الدكتور محمد عابد الجابري من المغرب
والدكتور هشام جعيط من تونس وغيرهما .
في حوار شيّق عقد
ببيروت في 5 سبتمبر 1990 مع الدكتور مصطفى الدندشلي يتحدّث منح الصلح عن ميشيل
عفلق ويفتح صفحات تقييمه لشخصية الرجل وتجربته الفكرية والسياسية فيقول : ميشال
عفلق نشأ في بيئة جدّ عربية ، فهو من سكان حيّ الميدان وهو الحي العروبي في دمشق ،
وكان والده يعمل تاجر حبوب ، يأتي اليه الفلاحون وهم يحمِّلون القمح على الجمال ،
ويأتيه أيضا التجار العرب لقضاء الليل في مضافته ، فالجوّ الذي عاش فيه ميشال عفلق
هو جوّ عربيّ ، وحي الميدان سكانه خليط من كل الطوائف وبخاصة من مسلمين ومسيحيين ،
ووالده كتاجر قمح على تماس مع العرب في الريف ، وما أعرفه هو أن والده له حرمته
وله احترامه في حيِّه ، وعمه حبيب عفلق كان شخصاً بارزا يسكن في باريس وينشط من
ضمن الحركة الاستقلالية العربية ومؤيدا للأمير فيصل ... وفي عام 1925 أتى بلفور
إلى دمشق فاستقبل بمظاهرة كبيرة وكذلك في بيروت وفي كل مكان كان يذهب إليه يقابل
بغضب شعبي عارم ، وفي تلك الأحداث برز الشاب ميشال عفلق في التحركات الطلابية وسجن
كطالب في تلك الأثناء ... وروى لي ميشال عفلق شيئا من حياته في باريس فقال : كنا
مجموعة من الطلاب ، وكان تفكيرنا يتلخَّص في أن هناك حقيقتَين : حقيقة الأمة ، وهي
الحقيقة المهمَّة بالنسبة إلينا ، وحقيقة الطبقة أو الصراع الطبقي ، ولم يكن
لليساريين الفرنسيين مشكلة مع وحدة بلدهم إذ كانت فرنسا موحدة ، ولكن لم يكن
بمقدورهم أن يروا هذا الجانب من القضية الوطنية ، فنحن كنا يساريين ، ولكن كنا في
الوقت نفسه وطنيين قوميين وحدويين نتبنّى الفكر المبنيَّ على أساس وحدة الأمة
وحقيقة وجود الأمة وليس فقط مقولة الصراع الطبقي … وكنا نحن من هذه الناحية
تجديديّين ذلك أن الشيوعيين في بلادنا العربية لم يكونوا يعيرون أيَّ أهمية للجانب
القومي وللفكر القومي العربي وكذلك القوميون العرب التقليديون في بلادنا لم يكونوا
ليروا حقيقة وجود الصراع الطبقي أوحقيقة الصراع الاجتماعي ـ الاقتصادي في التاريخ
أو الواقع الاجتماعي للعدد الأكبر من الشعب المظلوم ...
إن قضيّة عفلق هي
أنه يساري من نوع جديد : يساري تقدمي قومي عربي ، ولذلك كان يؤكد دوما على كل ما
يميِّزه عن اليساريين الآخرين ولا يحب أن يتكلم لغتهم السياسية أو الفلسفية ، يعني
وبكلام أكثر وضوحا ، كان ميشيل عفلق يعرف الاشتراكية أكثر مما يعرفها اليساريون في
زمانه ، ولكنه كان يرى أن هناك توجُّها خاطئا لدى الشيوعيين والحزب الشيوعي في
سورية الذي لم يلتفت إلى النواحي التي تتعلق بالقومية العربية وبوحدة الأمة
العربية وبتراثها وموقع الإسلام فيها ، ولذلك كان يؤكد كثيرا هذه النقاط ويركز
عليها ، وهذا التأكيد كان تعبيراً عن اعتراضه على طريقتهم وأسلوبهم السياسي
والفكري ، وليس أبداً تقصيراً عن مجاراتهم ، لقد أراد عفلق باعتماده هذه اللغة
وهذا الخطاب ، أن يضيف عليهم ويدلّهم على أشياء تنقصهم (بكلام آخر: يريد أن يجمع
الفكر القومي العربي والفكر الاشتراكي في وحدة جدليّة ، وهذا إنجاز بالغ الأهمية ...
كان ميشيل عفلق
يقرأ كثيرا ، وكانت له علاقات وصداقات وثيقة مع مثقفين وشعراء ومفكرين وكتَّاب ،
كان على تماس مع الجميع يلاحظ الظواهر الثقافية في سورية وفي البلاد العربية
ويرصدها ويتابعها باستمرار، وكان يهتمّ على سبيل المثال بمتابعة المناقشات بين
القديم والجديد واتجاهات الأصالة والحداثة ... ولهذا أعتقد أن ميشال عفلق له
خصوصية وله تميَّز ، لقد تحدَّث عفلق عن أشياء جديدة وله نظرة خاصة به مثل نظرته
إلى موضوعة العلاقة بين الإسلام والعروبة ، وهذه الناحية هي التي ركَّز عليها أكثر
من غيره فإذا أخذنا كلام قسطنطين زريق مثلا في ما يخص الفكرة القومية العربية ،
نجده لا يختلف عن موقف عبد الغني العريسي ، هذا إذا لم نقل إنه أقل منه ، وكذلك
الشأن مع ساطع الحصري اذ لا يختلف عن أي كاتب كتب حول القومية سواء في ألمانيا أو
في إيطاليا لكن ميشال عفلق يتحدث عن شيء آخر اسمه العروبة كشخصية وهوية خاصة مكونة
من تراث روحي وحضاري … فهو لا يتحدث عن القومية المطلقة ، وإنما عن القومية
العربية ذات الجذور التراثية العربية الإسلامية والأصول الروحية العربية الإسلامية
، وعن الذات (بمعنى الهُويّة) العربية ، بينما المفكرون القوميون الاخرون يتكلمون
عن القومية والذات القومية بمفاهيمها الغربية وبخاصة الألمانية والإيطالية ، وهي
تتشابه مع كل قومية وأي قومية أخرى ، إلى هذا الحد أو ذاك ، في حين أن ميشال عفلق
ليس كذلك اذ يتحدث عن شىء له خصوصية خاصة به ، عن هوية عربية اقترنت برسالة سماوية
، لها أصولها وظروفها المميَّزة الفريدة والخاصة بها دون غيرها ...
ويضيف الدكتور منح
الصلح قائلا : لقد كان ميشيل عفلق قائدا حزبيا ، لأنه لو لم يكن كذلك ، لم يكن
ليقدر أن يلعب هذا الدور في حياة حزبه ، وهو قائد حزبي بالإضافة إلى ذلك لأنه لم
يكن لديه هم ولا تفكير إلا بما يمكن أن نسميه ـ عالَم الحزب ـ ولذلك فإن وحدة الهم
عنده كانت أمارة حرص قيادي ... فهو يعتبر نفسه باستمرار مسؤولا عن مسيرة معيّنة
ولا يستطيع أن يتصور نفسه خارج هذه المسيرة كما لا يستطيع أن يتصور هذه المسيرة
بدونه ، وهذه هي الصفة الأهمّ التي لو كان القائد عنده كل صفات الأرض وليس لديه
هذه الصفة الأساسية بالذات فلا يمكن أن يكون قائدا ، وهذه الصفة القيادية الأساسية
نادرا ما تتوافر في شخص آخر ، ولذلك كان ميشيل عفلق هو أبو البعث وأمّه في ذات
الوقت ...
ورحم الله
الأستاذين منح الصلح وميشيل عفلق فقد كانا يعيشان على حلم واحد ويمسكان بجمر واحد
ويطمحان الى هدف واحد ، وما شهادة الدكتور منح الصلح المذكورة أعلاه إلاّ دليلا
مضافا على أصالة المتحدّث والمتحدّث عنه في زمن التزوير والتشويه والتتفيه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق