قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 31 مايو، 2015

أبو مجاهد السلمي : البعث باق والطريق طويلة (ج14)؛ + الاجزاء السابقة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
البعث باق والطريق طويلة – ج14
شبكة البصرة
أبو مجاهد السلمي
تكلمنا في الجزء الثاني عشر عن العوامل الداخلية التي أدت إلى الانفصال في وحدة القطرين العربيين سورية ومصر عام 1958، في كيان سمي بالجمهورية العربية المتحدة، واليوم نتحدث عن عوامل الانفصال التي تنبع من البنية الخارجية، فتشمل بالأساس دور الأنظمة العربية المحافظة والقوى الغربية الاستعمارية بل والاتحاد السوفييتي آنذاك في بعض الأحيان، لقد تآمرت أنظمة عربية على قيام الوحدة منذ اليوم الأول من قيامها، وقد أشار عبد اللطيف البغدادي في مذكراته إلى تردد أقوال عن اتصالات سوفييتية بعناصر عسكرية سورية عن إمكانية تدبير عمل مضاد للوحدة(1)، وهكذا بدا أن القوى الإقليمية والعالمية تجدها إما ساعية إلى تحطيم الوحدة أو على الأقل سعيدة بانهيارها، ولو تتبعنا أدبيات الفكر السياسي الذي أعقب الانفصال وجدنا أن هناك نمطا من التحليل قد تأثر بذلك الفشل ولم ينطلق عن ما حدث موضوعيا، وهناك كتابات حاولت أن تفسر حدث الانفصال كي تضع أسس المستقبل في قيام أية خطوة على طريق الوحدة، وإنها ضد الوحدة العاطفية وتطالب بالوحدة المدروسة التي تستند إلى أسس راسخة وقوية. إن دور التآمر الخارجي كان عاملا أساسيا لكن هذا التآمر ما كان له أن ينجح لو كانت المناعة في جسد الوحدة أقوى مما كانت عليه ونعني بالمناعة هنا هي قوة إيمان القيادات السياسية المستندة إلى إرادة جماهيرية واسعة بهدف الوحدة، فمجرد أن تحققت الوحدة فإنها غيرت من صيغة التحديات في منطقة ذات حساسية وأهمية إقليمية ودولية، وقد نبه قيامها القوى المعادية فاستنفرت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار رغم ما بينها من تناقضات عدائية كي تواجه الوحدة ومن غير تنسيق لتحقيق ثلاثة أهداف متكاملة وهي : فض تحالف القوى التقدمية في الساحة العربية، وتمزيق وحدة الحركة القومية، وضرب بؤرة الخطر في إقليمها الشمالي (سورية)، وبالمقابل تصرفت قوى وشخصيات الحركة القومية تصرف المنتصرين، فعم الاسترخاء وظنوا أن الأمور تسير بخير ولم يبذلوا الجهد في إطار الفكر القومي لتحقيق وعيا بأبعاد المرحلة الجديدة وتلبية حاجاتها، ولم يكن هناك دليل نظري يكون سلاحا في مواجهة المشاكل المستجدة لدولة الوحدة، فتباينت المواقف وتبعثرت الجهود فالتوحيد من منظور دولي يعني رسم خريطة جديدة وإزالة حدود سياسية فاصلة توافقت على رسمها دول كبرى، ولابد أن تضع هذه الدول عوائق أمام إزالة هذه الحدود لأنها لا تخدم المخطط الذي وضعوه الكبار عندما قسموا ارض العرب إلى دول وكيانات، كما أن التوحيد من منظور صهيوني يعني فشل الكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في مهمته، وهي أن يكون حائلا دون تحقيق أية خطوة على طريق الوحدة العربية، وان التوحيد العربي وقيام خطوات على طريق الوحدة يعني محاصرة الكيان الصهيوني، فقد ركز الغرب الاستعماري وأمريكا واللوبي الصهيوني على أهمية نجاح مخططهم الرامي إلى تجزئة الدول العربية التي نتجت عن التقسيم في سايكس بيكو، وخلق كيانات طائفية وعرقية صغيرة تساهم في دق إسفين الفرقة والتناحر بين العرب، وان يكون للكيان الصهيوني دورا كبيرا على مستوى القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، فجاء حلف بغداد في 24 شباط 1955، وصدر مبدأ إيزنهاور في كانون ثاني 1957، ووقعت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقات أمنية وسياسية مع الدول الأعضاء في الحلف المركزي في آذار  1959، كل ذلك كان لغرض الوقوف بوجه الوحدة وبوجه الإرادة الجماهيرية التي تفجرت بعد ثورة تموز 1952 في مصر، والى المد القومي الكبير في سوريا واندفاعه نحو تحقيق الوحدة، لقد رحب الغرب بالاتجاه الاتحادي بين العراق والمملكة الأردنية الهاشمية ومن خلال الرؤية الغربية للأمن الإقليمي، بينما نددت بقيام الجمهورية العربية المتحدة وحاولت وضع العصي في عجلة الوحدة لأنها لا تضمن مصالح الغرب في المنطقة، وشهدت فترة الستينات نجاح القاهرة في إفشال المحاولات الغربية لإقامة نظم عربية مرتبطة بالأمن الغربي، ومحاولة تحطيم مواقع الغرب التقليدية، والشاهد على ذلك الدور العربي هو في حركة عدم الانحياز. وتشكل إسرائيل أشرس العوائق الخارجية للوحدة العربية، وذلك باعتبارها عدوا للعرب وباعتبار نظرتها الإستراتيجية إن أي توحيد أو تنسيق للجهد العربي أو للموقف العربي يعني في النهاية استهداف إسرائيل بوضعها الحالي أو بحدودها المستقبلية التوسعية، ومن هذا كان تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، والعمل على تسخيرها للدول الأوروبية الواقعة ضمن المظلة الأمريكية، يقول أبا أيبان وزير خارجية إسرائيل الأسبق لمجلة (realite)الفرنسية في العام 1966 إن بقاء إسرائيل مرتبط باستمرار المساعدات العسكرية الأمريكية واستمرار حماية الدول الكبرى للوضع الراهن في الشرق الأوسط، واستمرار الخلافات بين الدول العربية، لأنها لو اتحدت لما بقيت إسرائيل(2)، وتسخير الأقليات الدينية في البلدان العربية لخدمة المصالح الصهيونية، وذلك بإثارة الفوضى السياسية أو الاستنزاف العسكري أو محاولات الإطاحة بأنظمة الحكم، كما قامت إسرائيل بإرساء علاقات مع حزب الكتائب في لبنان ومع المتمردين في السودان والأكراد في شمال العراق، ففي عقد الخمسينيات رسم زعماء إسرائيل إستراتيجية جيوسياسية لضمان بقائهم ولكيفية التعامل مع الأقطار العربية التي تحررت من الاستعمار، وقد انطلقت (إستراتيجية المحيط) كما سموها آنذاك وذلك بإقامة تحالفات مع الدول غير العربية الواقعة على حدود منطقة الشرط الأوسط، مثل تركيا وأثيوبيا وإيران، بهدف تطويق الأقطار العربية المجاورة لإسرائيل، وكانت إيران أمل إسرائيل الكبير في تحقيق إستراتيجية المحيط، وقد نجحت إيران أبان حكم الشاه وشرطي أمريكا في الخليج العربي بتغذية الحركات الانفصالية الموجهة ضد العراق، وازداد الخلاف حدة عندما احتلت إيران الجزر العربية الثلاث طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى في العام 1971، (وفي أيار 1982 وفي أثناء زيارة قام بها شارون وزير الدفاع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كشف شارون ولأول مرة عن أن إسرائيل باعت إيران أسلحة بقيمة 27 مليون دولار، وفي مؤتمر صحفي عقده شارون في باريس بتاريخ 28 أيلول 1983، قال: إن إسرائيل تزود إيران بالأسلحة بموافقة الولايات المتحدة، وقال موشي أرينز سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة عام 1982، إن إسرائيل تزود إيران بالأسلحة وبالتنسيق مع أعلى المصادر في الإدارة الأمريكية، وفي أحد الكنس في بريدجبورت بولاية كونيتيكت في أيار 1984، قال شارون مرة أخرى إن تزويد إيران بالأسلحة يجري بمعرفة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن إسرائيل تحبذ أن تكسب إيران الحرب على العراق وهو بلد عربي معاد)(3)، أما تركيا التي سيطرت ردحا من الزمن على أقطار الأمة العربية فإنها تشعر بتعصب عدائي نحو العرب، وهي تخشى قيام دولة الوحدة العربية على جوارها بما يهدد سيطرتها على لواء الاسكندرون العربي، وكانت تمثل دوما عنصرا مهما من عناصر إستراتيجية إسرائيل المعادية للوحدة العربية، فهي دولة غير عربية على الرغم من أن أغلبية سكانها من المسلمين كما هو الحال بالنسبة إلى إيران، وهي من أنصار الغرب، كما أنها ذات قوة عسكرية كبيرة وقد ساعدت إسرائيل تركيا في مجالات التدريب التقني والاستخبارات والخدمات الأمنية وكانت هناك اتصالات علنية بينهما، فقد قام أربعة من أعضاء البرلمان التركي بزيارة إسرائيل في أيلول عام 1984، والتقوا بوزير الخارجية إسحاق شامير، ومن المؤكد أن تركيا ستقوم بدور مناوئ لدولة الوحدة العربية القومية العلمانية على غرار ما قامت به ضد الجمهورية العربية المتحدة عام 1959، كما أنها ستشعر أنها محاصرة بين الاتحاد الروسي والدولة العربية الفدرالية بصفتها القومية إذا ما قامت الوحدة، الأمر الذي يجعلها تتوجه نحو المعسكر الغربي أكثر فأكثر، أما إذا كان محتوى الوحدة الجديدة إسلاميا فستحاول مد جسورها إلى الدولة الجديدة باعتبارها وريثة السلطنة العثمانية والخليفة الذي كان يتربع على عرش تلك السلطنة وباسم الإسلام، ومن خلال الحركات الإسلامية والأحزاب الدينية التي تعمل داخلها والتي استطاعت الآن من الوصول إلى السلطة، ويشكل حلول خطاب الوحدة الإسلامية محل خطاب الوحدة العربية الآن انتكاسة كبرى للأنظمة العربية الحاكمة وللفكر القومي، فلا أمل للعرب في بناء قوتهم ومواجهة الظروف والعوائق التي تعترض طريقهم وحجم التحديات التي تفرض عليهم إلا بتحقيق الوحدة بينهم، ولا أعني هنا قيام الوحدة الاندماجية، لأن هذا الموضوع كما أشرت إليه في أجزاء ماضية من مقالاتنا المسلسلة لايمكن أن يكون المطمح الأول في قيام دولة الوحدة لعوامل ذاتية وموضوعية تعيش في جسد وعقلية الأنظمة والحكام العرب، ناهيك من الدور الأجنبي الشرس ضد هذا التقارب والتيار العربي، لأن الوحدة المطلوبة واستنادا إلى كل تجاربها الماضية وبظل التحديات الداخلية والخارجية الآن لابد أن تكون خطوتها الأولى في إطار وحدة التنسيق المشترك والتعاون العربي المثمر المبني على الثقة والإيمان بهذا المستوى من التنسيق لرأب الصدع الذي حل بين أنظمة الأمة، ولإخراج أقطارها من مأزقها الخطير الذي تمر به الآن، وهي تعيش حالة التفكك والاقتتال والاحتراب الطائفي والغزو الأجنبي وفتح صفحة جديدة في علاقاتها، ومن ثم الانتقال إلى الدور الثاني للوحدة من خلال : توقيع الاتفاقيات ورسم السياسات، وتوحيد المواقف تجاه الأحوال السياسية لكل أقطار الأمة، وتفعيل مؤتمرات القمة العربية والجامعة العربية، وما تطرحه السياسة الدولية من مشاريع وأحداث والدور العربي المطلوب منها، أما الدور الأثيوبي في إستراتيجية المحيط فقد أكد على أن أثيوبيا جزءا من إستراتيجية إسرائيل وقام التحالف معها على أعلى مستوى في إيقاف الراديكالية، والقومية العربية، وظل هذا التحالف ناجحا حتى السبعينات من القرن الماضي، وحتى بعد سقوط نظام هيلاسيلاسى أبقى العقيد منغستو هيلا مريام على العلاقات مع إسرائيل، وقد كشف الصحافي الأمريكي الشهير جاك أندرسون في صحيفة واشنطن بوست النقاب عن قيام النظام الماركسي في أثيوبيا برئاسة منغستو مريام بتلقي المساعدات العسكرية من إسرائيل(4)وفي ظل المتغيرات التي تجتاح المنطقة والقرن الأفريقي، تحرص إثيوبيا علي إبراز دورها كقوة إقليمية قادرة علي خدمة المصالح الأمريكية - الغربية في القرن الإفريقي والشرق الأوسط، لا سيما المصالح الخاصة بمحور واشنطن - تل أبيب، مع العمل في الوقت ذاته علي استثمار المنافسة بين أقطاب النظام الدولي في خدمة المصالح الوطنية الإثيوبية .وقد سبق لإثيوبيا أن أدت هذا الدور بنجاح أكثر من مرة، فاستفادت في عهد هيلاسيلاسي من المساعدات الأمريكية السخية، التي قدمتها واشنطن بهدف موازنة النفوذ السوفيتي في القرن الإفريقي والشرق الأوسط، ثم ارتبطت في عهد مانجستو (1974-1991) بالاتحاد السوفيتي، الذي وجد فيها آنذاك بيئة خصبة لنشر الفكر الماركسي، مقارنة بالصومال ذات النزعة الدينية القومية. ثم عادت لتغير وجهتها شطر واشنطن، مع وصول نظام الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا بقيادة ميليس زيناوي إلي سدة الحكم عام 1991.وللموضوع صلة في الجزء القادم.
29 / 5 / 2015
ــــــــ
(1) - البغدادي مذكرات عبد اللطيف البغدادي ص63 – 64.
(2) – أنيس صايغ / ميزان القوى العسكرية بين الدول العربية وإسرائيل ص 72.
(3) - الوحدة العربية تجاربها وتوقعاتها / مركز دراسات الوحدة العربية ص 693.
(4) – المصدر السابق نفسه.


شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق