قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الخميس، 10 نوفمبر 2011

لا كلكامش الأول مات، ولا مات الأخير..


لا كلكامش الأول مات، ولا مات الأخير..


هل يمكن أن نستيقظ ذات يوم، ونقرأ في صحف الصباح، مع أول رشفة من فنجان قهوة، خبراً عن موت كلكامش؟
كلكم ستجيبون بالنفي، فالاسطورة تتناسل وتبقى حية في الذاكرة، هنا سر كلكامش وخلوده، أنه لم يكن رجلاً من لحم ودم، بل كان أسطورة حية تتجدد كل يوم..


من هنا نقرأ مع الرائع علي الصراف، سر خلود كلكامش والعراق..


لا كلكامش الأول مات، ولا مات الأخير..


بقلم: علي الصراف
عام آخر، حج آخر. وشهيد على الباب.
يا ويلنا من هذا التاريخ. ويا ويلهم من حقائقه.
لقد وقف وراءها بطل من أعظم أبطال العصر الحديث؛ رجل لم يخلق عالم السياسة العربية أكثر منه شجاعة وعزما واستعدادا للتضحية، حتى بلغ ضفافها بنفسه. وحتى قدم البرهان لكل من قد ينقصه البرهان.
صدام حسين.
يا له من إسم. ويا له من تاريخ.
وهو ما يزال يرعب حتى الذين قتلوه بأيديهم المرتجفة. وهم ما يزالون يبحثون في قتله عن الأعذار.
يعرفون انهم اقترفوا جريمة. ولكن ليست الجريمة هي المشكلة التي تؤرقهم. فهم يرتكبون جرائم كل يوم. وهم يعرفون انها كانت واحدة من أعظم جرائم التاريخ. ولكنهم من الإنحطاط الأخلاقي، حتى انهم لا يستطيعون التمييز بين جريمة وأخرى. ولكنهم يرون انها تلاحقهم. ويلمسون، لمس اليد، انهم حاولوا قتل رجل، فوجدوا انه لا يموت.



لم يتركوا شيئا لم يقولوه في صدام حسين. لم يتركوا اتهاما لم يلصقوه به. ومعهم حق. فقد كانوا يتلمسون الأعذار لجريمة ليس ضد زعيم وطني، وليس ضد رئيس دولة، بل ضد التاريخ نفسه.
وهذا ما سيظل يلاحقهم الى أبد الآبدين.
فهذا رجل- تاريخ لا يمحى.
لو كان يمكن لكلكامش أن يُمحى، لكنّا "سامحناهم" في صدام حسين. ولكننا، لسوء حظهم، لم نمح لا كلكامش ولا حمورابي ولا نبوخذنصر ولا أي واحد ممن صنعوا مجدا في تاريخ السبعة آلاف عام.
ولد صدام حسين لشعب يصنع أبطالا. وكل واحد منهم أسطورة.
وتعال لنراهن. فوراء كل طفل وشاب وشابة من شباب هذا العراق، رجاله وماجداته، أسطورة.
كل واحد منهم فيه من كلكامش ما فيه من صدام حسين.


هذا هو المزيج العراقي الحقيقي. انه مزيج أبطال تستطيع أن تقتفي أثره في حشد من أساطير الصبر والكفاح والبسالة التي يسطّرها المقاومون ضد الإحتلال.
وهذا هو المزيج: خلطة تاريخ لا أعظم منها ولا أخلد. وخلطة أبطال. وعمر كل واحد منهم يبدأ من سبعة آلاف عام.
وهذا هو المتفجرة التي ما تزال تتطيح بدبابات الإحتلال ومليشياته وعصاباته.
المقاومون يطلعون من وراء كل حجر. من فوق الأرض ومن تحتها. ليس لانهم يدافعون عن وطن فحسب، كغيره من الأوطان، بل لأن تاريخا يدفعهم الى القتال.
هذا هو العراق.
جاءوا اليه بدبابات وقصفوه بطائرات ودمروا ونهبوا كل ما استطاعوا نهبه وتدميره، إلا انهم لم يقدروا على قصف التاريخ، ولا تمكنوا من نهب معناه. ولو قتلوا عشرة ملايين فوق المليون ونصف المليون الذين أبيدوا حتى اليوم، فان العراق سيعود ليولد من تاريخه. وسيعود كلكامش وحمورابي ونبوخذنصر... وصدام حسين ليطلع لهم من وراء كل حجر، من فوق الأرض ومن تحتها، تارة ليصنع أبجديةً، ويرسي أول دولة للقانون، ويبتكر علوما ويفيض أدبا، وليكون أول أرض يقيم الله عليها دليلا لوجوده، وتارة ليمحو الأمية ويؤمم النفط ويجعل التعليم مجانيا وليوزع الأراضي على الفلاحين، وليصدر قانون مساواة للأحوال المدنية، وليحول العراق الى قاعدة صناعية تكبر بالعلم وبالعلماء، وليجعل من حروبه سباقا للتضحيات من اجل شرف العراق وعزته وكرامته.


قتلوه، ولكنهم لم يقتلوا كلكامش فيه. فعاش. ضحك عليهم (بالدليل امام المشنقة)، نزل حبلها. خدعهم بموته. فعاش.
هذه هي مصيبتهم بالأحرى. قتلوا رجلا اكتشفوا انه لا يموت. ثم اكتشفوا انهم وإن كانوا يستعينون بحثالات من اللصوص والقتلة، من الذين يمكن العثور على أمثالهم في كل مكان، إلا انهم ضربوا حائطا، صلصاله تاريخ ورجال.
صدام حسين. هو انت... إذا كنت على بسالة وشرف.
صدام حسين، هو أنت... إذا كنت على وطنية تسترخص من اجلها روحك.
صدام حسين، هو أنت... إذا كنت صاحب مروءة وعدل وإحسان.


وهو أنت... إذا كنت شديدا على العملاء والأنذال.
مر عام آخر. ويا ويلنا مما يتراكم من الأعوام. ويا ويلهم منا.
سنأتيهم من فج. وسنخرج لهم من وراء كل حجر. فلدينا من هذا المجيد 25 مليون مجيد وأبن حرة وماجدة.
هؤلاء هم رجال هذا التاريخ ونساؤه. آباء وأمهات، حولوا الطين نفسه الى أسطورة. فصار كتبا وملاحمَ وسجلاتِ معرفة ونسيجَ علاقةٍ مع الله.
إن كنت عدوا، فقل ما تقول. اكشف عن نفسك. إجعل إناءك ينضح ما فيه.
ولدينا عراقان. فقد تُدمر واحدا، ولكنك لن تنجو من عراق العراق. لا من عروق نخيله ولا من أعذاقها. لا من كلكامشها، ولا من صدامها، ولا من أي طفل حرمه الغزاة من ذويه او من مدرسة كان يرتادها أو من مأوى أو طعام.
لن يمكن أن تقرأ صدام حسين المجيد، إلا في مجد التاريخ الذي حاول صنعه.
كان صانع أحداث. وصانع تاريخ.
أصاب وأخطأ، ولكنه صهر عراقا في بوتقة خلق وانتاج.
وكان يريد من ورائها أن يجعل منه قوة عظمى.
لم ينجح كلكامش، ولم ينجح صدام. هذا هو قدرنا. ولكن إذا كانت تلك السبعة آلاف عام تعني شيئا، فانها تاريخ محاولات. انتج العراقيون خلالها عدة امبراطوريات عظمى. صنعوا ما لم تصنعه أمة في مطالع التاريخ. ولئن تكالبت عليهم قوى الشر، فقد ظلوا يكررون المحاولات، ويعيدون خلق مجد من عرقِ مجدٍ سبقه.
لا ملّوا، ولا تعبوا، ألفاً على ألفٍ، وعلى مدار سبعة آلاف عام.
وهو تاريخ. قدرنا فيه ان نبني، ونعود لنبني.
هؤلاء هم العراقيون. وهذا هو قدرهم.
ينجحون ويفشلون، وينجحون ويفشلون. وفي الطريق الى الخلود يصنعون من قيم الخلق والإبداع ما لا سبيل الى مجاراته. وينفخ الله في صورتهم ليعودوا أقوى مما كانوا.
"حضارة طين"، يقول بعض المؤرخين، "لا حضارة حجر". ولكن فقط عندما تنظر الى "الخلق" من زاوية "إعادة الخلق" ستعرف أين يكمن السر والسحر في "حضارة الطين" تلك.
انها محاولات. اما الحجر فثابت، انه محاولة واحدة فقط.
وهو قدر قاس. نعم. ولكن هؤلاء نحن. نبني، ونعيد البناء.
هذا هو العراق. كلكامشنا الأول لم يمت، ولا مات الأخير. وسيظل يولد من ذلك الطين ما يصنع فوق المجد مجدا أعظم منه.
وهذا ما كان يريده صدام حسين المجيد.
لم تكن المنعطفات والمحن التي يسردها هذا التاريخ شيئا من عابر الأشياء. كلُّ مفصلٍ من مفاصلها كانت جزءا من ذلك القدر العاصف الذي صنع ماضي وحاضر العراق.
مليء بالانجازات، ومليء بالمعجزات، ومليء بالمآسي أيضا.
ما من معترك محاولات إلا وكان قاسيا. ولكنه كان مبعث مجد ورفعة رأس.
ماجدات العراق يرعين اليوم أبطالا، وسينجبن أبطالا. وسيكون لنا منهن كلكامش آخر، يرضعنه حليب الصبر والبسالة، والشدة على العملاء والأنذال.
وقدرنا المكتوب هو اننا لن نكف عن المحاولات، حتى نمسك بعشبة الخلود.
من حق كل البشر ان ينعموا بالسؤدد والرخاء. ولكن تلك العشبة من حق العراقيين. فهناك، على أرض العراق، قدم الله أول دليل على وجوده.
الله لم يتحدث الى شعب قبلنا. قال لنوح: إبن السفينة. فبناها لننجو.
ونجونا لعدة آلاف من الأعوام.
حاول ونحاول.
وعلى طول العراق وعرضه دلائل كثيرة مما حاول المجيد.
لو كان الله يموت، لما بقي العراق. فهذه ارضه الأولى. وكان البعض يظن ان العراق قد مات. إلا انه لم يفعل. فالعراق من تاريخه يولد، ويعود ليولد من جديد.
هو قدرنا، ويا ويلنا منه. ونحن قدرهم، ويا ويلهم منا.
الموضوع نشر على الرابط هنا  
                                                                                                                                                 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق