قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

المحرر الأسبوعي لموقع طليعة لبنان :في اليوم العالمي للتضامن مع شعب فلسطين

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في اليوم العالمي للتضامن مع شعب فلسطين
شبكة البصرة
كلمة المحرر الأسبوعي لموقع طليعة لبنان
يوم التاسع والعشرون من شهر تشرين الثاني من كل عام، بات يوماً عالمياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وفي هذا اليوم لثمانية وستين سنة خلت، صدر القرار الدولي 181/الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين. واحدة عربية وأخرى "يهودية".
ذاك القرار رفضه آنذاك النظام العربي الرسمي صراحة وقبل به ضمناً، فيما الكيان الصهيوني قبله علناً ورفضه ضمناً. وقد جاءت سياقات الأحداث اللاحقة لقرار التقسيم، لتثبت أن التعامل الرسمي العربي مع القضية الفلسطينية كان مسكوناً بمعطى القبول الضمني فيما العكس كان المستقر في العقل الصهيوني. وكانت أولى مؤشرات التعبير عن حقيقة هذا الموقف العربي هو القبول بالقرار 242 ومن بعده 338 واللذين صدرا عقب حرب حزيران 1967 وحرب تشرين 1973. وعندما يعود النظام العربي ليقبل بعد عقدين من الزمن ما كان قد رفضه وليؤسس على هذا القبول نمطية تعامله مع القضية الفلسطينية، فهذا يعني انه أسقط كل التحولات الإيجابية التي أفرزها معطى الواقع العربي خلال هذين العقدين. وأنه بالقبول بقرار التقسيم، فإنما يكون قد سلم بما فرضته "المرجعية الدولية" يوم لم يكن العرب يمتلكون من عناصر القوة المادية والسياسية ما يمكنهم من فرض واقع سياسي يلبي الطموح الوطني الفلسطيني. واليوم، وفي الذكرى الثامنة والستين لصدور قرار التقسيم، فإن المطروح على الفلسطينيين هو أقل بكثير مما انطوى عليه قرار التقسيم لأن ما رفضه "العرب" علناً وقبلوا به ضمناً لم يصيغوا استراتيجية استناداً إلى مستلزمات الرفض، بل صاغوا استراتيجيتهم على أساس القبول.
أما في المقلب الأخر، مقلب العدو الصهيوني، فإنه بنى استراتيجيته على قاعدة الرفض واعد كافة مستلزماتها، وعندما توفرت الظروف الموضوعية والذاتية التي تخدم استراتجيته أفصح عن حقيقة موقفه، انطلاقاً من كون قرار التقسيم الذي قبل به وأدخل تعديلات على حدود امداءاته على الأرض في فترة ما بين الصدور وإعلان الحركة الصهيونية لقيام كيانها على أرض فلسطين، قد تجاوزته الأحداث. وأن هذا الكيان يجب أن يقام على كل أرض فلسطين التاريخية مقابل لهث رسمي عربي وراء قرار التقسيم الذي أسقطته "إسرائيل" عملياً وأن لم يزل قائم نظرياً.
إن الكيان الصهيوني يعتبر أن له كل فلسطين، وأن الفلسطينيين بنظره لا هوية وطنية لهم، وبالتالي لا يحق لهم بدولة على أية مساحة من فلسطين. فهل بالوقوف على إطلال قرار التقسيم يمكن أن تسترد الحقوق التي اغتصبت؟
إن هذا التساؤل تجيب عليه موازين السائدة على الأرض من جهة، والرؤية الاستراتيجية لإدارة الصراع من جهة ثانية. وفي التدقيق بمعطى موازين القوى المادية السائدة حالياً في الدوائر ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فلسطينياً وعربياً ودولياً، لا يبدو أن ميزان القوى الظاهر هو لمصلحة شعب فلسطين، نظراً للتشظي في الواقع السياسي الفلسطيني، ولضرب مرتكزات القوة في الواقع العربي، وللتحولات التي برزت على الصعيد الدولي. ولهذا يسعى العدو لاقتناص معطى هذه اللحظة لفرض واقع جديد يقوم على قضم وهضم كل أرض فلسطين، والتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم رعايا يخضعون لنظام الإقامة وفق ترتيبات أمنية وسياسية والنزول بقضيتهم إلى مستوى تلبية الحاجات المعيشية فقط.
لكن إذا كانت موازين القوى السائدة حالياً توفر المناخات لفرض صيغ من الترتيبات التي تلبي الحاجة الصهيونية، فهل هذه الموازين تتمتع بالثبات النهائي؟ أم أنها قابلة للتعديل والتغيير في أنصبتها؟ مما لا شك فيه ولا جدال حوله، ان موازين القوى التي تسود في مرحلة معينة لا تتمتع بصفة الثبات التاريخي، ولو كان الأمر هكذا، لما كانت حصلة تغييرات في تاريخ البشرية.
إذاً، أن موازين القوى هي حالة متحركة، وطالما هي كذلك فهي قابلة للتغيير والتبديل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوى هل هذا التبديل والتغيير يحصل بصورة تلقائية أم أن ثمة عوامل تؤثر فيه وتؤدي إلى تغيير أنصبته؟
قد يكون العامل التاريخي يلعب دوراً في العملية التراكمية، لكن الأصل يبقى للفعل الإنساني الذي يحدث التغيير في الواقع المجتمعي. وهذا الفعل يحتاج أن يكون موجهاً برؤية استراتيجية كي يستطيع أن يحدث تعديلاً وتغييراً في موازين قوى سائدة وبالتالي رؤية هذا التعديل والتغيير بتأثيراته المباشرة على الاستراتيجية المضادة.
من هذه المعادلة نلج لنقول بأن أي استراتيجية وهي تتكئ في آلياتها التنفيذية على نصاب معين من توازن القوى، وتدخل في نطاق صراعي مع آخر، وتريد أخذ الكل، فإن الرد عليها لا يكون مجدياً إلا إذا كان بنفس البعد الاستراتيجي. وإذا كانت معطيات مرحلة معينة لا تمكن في ظل موازين قوى سائدة من إسقاط الهدف الاستراتيجي للطرف الآخر، فإن المعني بهذا الإسقاط يجب أن يبقى محكوماً ومسكوناً دائماً بالوصول إلى ذلك الهدف الاستراتيجي.
وبالخروج من التعميم إلى التخصيص، نقول بأن العدو الصهيوني الذي يعتبر أن هدفه الاستراتيجي هو السيطرة على كل فلسطين، فإن الرد عليه لا يكون إلا بفعل ذي بعد استراتيجي والهدف الاستراتيجي لشعب فلسطين هو تحرير كل فلسطين سواء ما احتل منها قبل قرار التقسيم وبعده بقليل أو ما احتل منها في أوقات لاحقة.
هذا أولاً في البعد الاستراتيجي، أما ثانياً، فإن العدو بتعدد أطرافه السياسية وإن كانوا يختلفون على الطريقة التي تدار بها الأراضي المحتلة ونسج العلاقات مع الخارج، إلا أنهم لا يختلفون على الهدف الاستراتيجي وهو قضم وهضم كل فلسطين. ولهذا فإن الرد على العدو لا يكون حول الطريقة التي تدار بها الأراضي المحتلة، ولا باعتبار الصراع على السلطة تحت الاحتلال اولوية تتقدم على أولوية وضع الاحتلال في سياق البعد الاستراتيجي لهدف التحرير واستعادة الحقوق المغتصبة.
قد يقول قائل بأن موازين القوى السائدة لا تسمح بأكثر مما هو ممكن في ظل الأوضاع المحيطة بالواقع الفلسطيني وطنياً وقومياً وإنسانياً. لكن الأصح، أن يدرك أصحاب هذا الرأي أن ميزان القوى السائد في مرحلة معينة لا يتمتع بصفوت الثبوت التاريخي وهو قابل للتعديل والتغيير. والمدخل لذلك، هو رفض الاعتراف بما يفرض بقوة الأمر الواقع ومن ثم التأسيس على هذا الرفض لإنتاج واقع سياسي جديد. فالكيان الصهيوني الذي لا تواجهه مشكلة في "الشرعية الدولية" وهو بات قاب قوسين أدنى من انتزاع شرعية من نظام إقليمي يعاد تركيبه على قاعدة توفير مستلزمات الأمن الصهيوني، ما تزال لديه مشكلة في انتزاع شرعية فلسطينية ليس بوجوده كدولة مشرعة دولياً بل بهدفه الاستراتيجي القائم على استلاب كل فلسطين. وطالما أنه لم يستطع الحصول هذه الشرعية رغم إشكالية التعامل معه في الإطارات الفوقية، إلا أن مأزقة ما يزال قائماً. وهذا يعني، أن الاعتراف الفلسطيني بشرعية الكيان الصهيوني وفق ما يرمي إليه في البعد الاستراتيجي، هو ما يريد الحصول عليه كي يواجه العالم بأن من يعتبروا أصحاب حق قد تنازلوا عن هذا الحق وبالتالي يكون الهدف الاستراتيجي قد تحقق.
من هنا، فإن الموقف المبدأي الذي يرفض الاعتراف بالعدو انطلاقاً من مبدأية رفض الاعتراف بشرعية الاغتصاب والاحتلال إنما يشكل أرضية يجب ان تقف عليها القوى المقاومة للاغتصاب لتواجه الاحتلال بالأساليب التي تحول وتثبيت ركائز استراتيجيته وأولى تعبيرات هذه المقاومة العملانية، هي جعل الأرض تميد من تحت إقدام الاحتلال، وجعل التوتر وعدم الاستقرار والخوف على الأمن الحياتي السمة السائدة في مجتمع يراد له أن يكون ملاذاً آمناً لكل القادمين إليه من اصقاع العالم.
على هذا الأساس، فإن المقاومة للاحتلال، لا تكون فقط بالوسائط العسكرية فقط بل أيضاً بكل أشكال الكفاح الشعبي ووسائله المتاحة من التظاهر والاعتصام وكتابة الشعارات ورمي شخوصات الاحتلال بالحجارة وكل ما يتفتح عليه الذهن البشري المقاوم، وما يشاهد اليوم من دهس ومطاردة بالسكاكين، إنما هي تعبيرات عن مؤشرات إطلاق الانتفاضة الشاملة، التي لايجب أن يحدها مكان ولا زمان، وحتى تفاجئ العدو من حيث لا ينتظر أن تأتيته المفاجأة.
هذه الأشكال النضالية، لم يعد بالإمكان اخفاءها عن الرأي العام في ظل ثورة المعلوماتية ووسائط التواصل الاجتماعي كما لم يعد بالإمكان الحد من تأثيراتها في تثوير الجماهير وتفعيل أدائها النضالي.
وعليه فإنه في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، فإن المطلوب بات يحتاج إلى أكثر من مسيرة تضامنية، والى أكثر من مهرجان شعبي وأكثر من اعتصام وعلى أهمية ذلك.
ان جماهير فلسطين، تحتاج إلى حضن دافئ والى احتضان شعبي لقضيتها، والى توفير كل وسائط الدعم السياسي والإعلامي والمادي، عبر تشكيل إطارات وهيئات لترجمة المواقف بخطط عملية ومعه يندرج إعادة الاعتبار للموقف الذي يضع الصراع مع العدو الصهيوني في إطار بعده الاستراتيجي، عبر رفض الاعتراف به اولاً وعدم منحه هذه الشرعية، وثانياً بأن دولة فلسطين هي على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وأن قرار التقسيم الذي رفضه النظام الرسمي العربي علناً وقبله ضمناً هو مرفوض شعبياً علناً وضمناً وعلى أساس تبني استراتيجية المقاومة والتي يفترض أن تتجدد شخصيتها النضالية تماهياً مع روح الانتفاضة الحالية والتي هي استمرار لما سبقها. وأول ما يجب العودة إليه، هو إعادة الاعتبار للقرار 3379 الذي أقرته الأمم المتحدة في 10/11/1975 والذي اعتبر آنذاك الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. وعندما يعاد العمل بروحية هذا القرار واحكامه، يعاد الاعتبار لمبدأ التمييز بين المقاومة والإرهاب. إذ الأولى هي حق مشروع للشعوب وهي تناضل لتحرير الأرض والإنسان فيما الثانية، هي الشكل الأكثر تعبيراً عن واقع الإرهاب المنظم وحيث أن كل ما تشهده المنطقة حالياً ليس إلا نتيجة للإرهاب الذي ارتكب بحق شعب فلسطين وبتغطية دولية.
في اليوم العالمي للتضامن مع شعب فلسطين، ليكن الشعار الذي يظلل الحراك الداعم للقضية الفلسطينية، لا شرعية للاغتصاب، لا شرعية للاحتلال ولوحدة وطنية فلسطينية على قاعدة البرنامج المقاوم ولحق الشعب في فلسطين في المقاومة وحقه في إقامة دولته المستقلة على كامل التراب الفلسطيني.
شبكة البصرة
الثلاثاء 19 صفر 1437 / 1 كانون الاول 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق