قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الجمعة، 5 يونيو، 2015

قراءة عزيز العصا : في الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد فيصل الحسيني: المقدسيون في العراء.. ينشدون السّكن!؛

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد فيصل الحسيني:
المقدسيون في العراء.. ينشدون السّكن!
شبكة البصرة
قراءة: عزيز العصا
في الحادي والثلاثين من أيار من العام 2001، أصيب المقدسيون بوجع وألم لن تمحوه الأيام؛ فقد استشهد أمير القدس؛ فيصل عبد القادر الحسيني، الذي يشهد له كل من عاصره، أنه لم يكن يشبع وشعبه يتضور جوعًا، ولم يكن يدفأ وشعبه ترتعد فرائصه بردًا. ولم يُسجّل عنه أنه توانى يومًا عن توظيف ما يملك في دعم وإسناد ملهوف أو محتاج. كما أنه لم يترك شأنًا من شئون القدس إلا توقّف عنده؛ مدافعًا عن المقدسيين وحقوقهم المشروعة في العيش على أرضهم بحرية وكرامة. ولعل أكثر ما كان يقلق المرحوم فيصل الحسيني ويقض مضاجعه هو سكن المقدسيين والعيش في بيوت آمنة وصحية، مقارنة مع ما ينعم به المستوطنون (المغتصبون للبيوت المقدسية) من سعة المكان ورغد العيش وتوفر الخدمات الأساسية والمساندة من قِبَل دولتهم التي تسهر على مصالحهم.
وعليه؛ فإن ما يتعلق بهدم البيوت، أو التهديد بهدمها كان يشكل وجعًا حقيقيًا للمرحوم "فيصل الحسيني"؛ فيتحرك على الفور، ويوظّف أقصى طاقاته، فيحضر ويساعد ويؤازر، ويشحذ الهمم، ويعزز الصمود، ويدعو إلى الصبر والبقاء على أرض القدس، مهما كانت المكارِه ومهما كان شظف العيش وقسوته. كما يقوم بتحريك المؤسسات ذات الصلة (المقدسية والأجنبية)، من أجل الدفاع عن الأسرة المقدسية التي تتعرض للأذى، وكشف بشاعة ذلك أمام العالم، وكأني به يرى في ذلك أبشع صور الإذلال والامتهان بالمقدسيين، كما أنه يرى فيها عملية "تفريغ" للقدس من أبنائها الشرعيين.
وعلى قاعدة أن الغياب الفاجع والمفجع لفيصل الحسيني، أدى إلى المزيد من استباحة حقوق المقدسيين بالسكن، أحيا مركز أبحاث الأراضي هذه الذكرى بعقد المؤتمر الثاني للحق في السكن، في الهلال الأحمر بالبيرة في 27/05/2015م. وقد أشار "جمال طلب العملة"/مدير المركز إلى أن "المرحوم فيصل الحسيني" هو "الأب الروحي" لهذا المركز الذي أنشأه رحمه الله في العام 1986، وفي شباط من العام 2002 قام الاحتلال بإغلاقه حتى اللحظة؛ حيث يتم تجديد الإغلاق كل ستة أشهر.
إذا ما علمنا بأن تأسيس المركز جاء وفق استراتيجية "تمكين الإنسان الفلسطيني من حقوقه على أرضه وفي سكنٍ آمن، كما يقوم برصد وتوثيق الانتهاكات الاحتلالية كافة؛ التي تخص السكن والأرض والشجر"، فإننا سوف نتوصل إلى السبب الذي يجعل الاحتلال يسلك هذا السلوك العدائي ضد المركز وغيره من المؤسسات المساندة للمقدسيين والساعية إلى دعم صمودهم على أرضهم. لا سيما المؤسسات ذات الصلة بالمرحوم فيصل، الذي كان، وبحسب نجله عبد القادر، يقول: "قد ينتاب المرء شعور بالذعر أو الإحباط حين يرى المستعمرات وتوسعها الكبير في القدس. ولكن وعلينا أن نعي أن المستعمرين أيضا يصيبهم الذعر والإحباط حين ينظرون من حولهم إلى كل هذه الأراضي الفارغة لأنهم يعرفون أنها سوف تكون لنا لان المستقبل لنا. لذلك علينا ألا نسمح للإحباط من التغلغل في نفوسنا".
ونحن في أجواء هذه الذكرى المؤلمة، ومن خلال البيانات والبيّنات التي أظهرتها الأوراق التي تم تقديمها في المؤتمر المذكور، يتضح لنا السمات المشبعة بالحكمة والحنكة وبعد النظر التي كان يتحلى بها "أمير القدس"، عندما كان متحفزًا دومًا من أجل تثبيت المقدسيين في مساكنهم، عبر السبل والأساليب الممكنة، من خلال شبكة العلاقات الدولية والعربية والمحلية التي كان قد وظّفها لهذا الغرض.
فقد أشار "خليل تفكجي" إلى أنه صدر عن الاحتلال في العام 1968 قانون "رفع الحماية عن المستأجرين ما بعد العام 1968، وعندما لم ينطبق ذلك على بعض الحالات، تفتقت الذهنية الاحتلالية عن قانون "الجيل الثالث"؛ الذي يعني أن الأملاك التي أُجِّرت قبل العام 1948، تنتقل من الجد إلى الإبن ثم إلى الحفيد، وبعد وفاة الحفيد (الجيل الثالث) يُنقل الملك مرّة أخرى إلى "حارس أملاك الغائبين" الذي ينقلها مباشرة إلى المستوطنين.
كما أشار "يعقوب عودة" إلى شعار الاحتلال اتجاه المقدسيين: "الهدم مشروع والبناء ممنوع"، هذا الشعار الذي يمتد إلى خارج جدار الفصل العنصري، لينطبق على المناطق (C) التي تشكل 63% من مساحة الضفة الغربية، تضم (150،000) فلسطيني يسامون سوء العذاب من قبل (250،000) مستعمر؛ ينتشرون على (200،000) دونم، يتوزعون على (209) مستعمرات، و(271) بؤرة استيطانية، ونجم عن ذلك استهلاك (990) كيلومترًا من الطرق الالتفافية، وتدمير (99،000) دونم من الأراضي، حيث شهد العام الماضي (2014) وحده إنشاء (19) مستعمرة وتوسيع (144) مستعمرة أخرى.
كما توقفت السيدة "سلوى هديب"؛ وكيل وزارة شئون القدس، أمام الوضع المذهل الذي يحياه المقدسيون مشيرة إلى حقيقة مؤلمة؛ وهي أن دور هذه الوزارة، وفق اتفاقية أوسلو، هو دور إغاثي ويمنع أن يكون دورًا تنمويًا. وفي ذلك نجد أنفسنا أمام كارثة وطنية بشأن المقدسيين الذين وصلت نسبة الفقر بينهم إلى (90%)، ويفتقرون إلى الاستقرار في مسكن آمن وصحي، كما يفتقرون إلى الأمن الوظيفي والاجتماعي والاقتصادي. كما ننظر، بوجعٍ، إلى أبنائنا الذين يتجه غالبيتهم العظمى نحو المنهاج "الإسرائيلي"؛ الذي يضمن لهم الدراسة في الجامعات الإسرائيلية ذات الكلفة الأقل، مقارنة بكلفتها في جامعاتنا المحلية. كما أن هناك (7،000) متعاطٍ للمخدرات، بعلم الاحتلال وتشجيعه لهم.
وكان لمشاركة محمد حسن جبارين؛ وكيل وزارة الحكم المحلي دور مؤثر في تعزيز الثقة المتبادلة بين التجمعات البدوية والحضرية المستهدفة، وبين السلطة الوطنية الفلسطينية، لا سيما دور الحكم المحلي في "شرعنة" وجودهم وتثبيت حقوقهم على أرضهم، وتشجيع المشاريع التنموية الكفيلة باستمرار صمودهم في وجه محاولات التهجير والترهيب اليومي، الذي تمارسه قوات الاحتلال بحقهم.
كما أجاد الباحثون الذين شاركوا في المؤتمر عند تسليطهم الضوء على الإشكاليات التي يعاني منها الفلسطينيون على المستويين الشعبي والرسمي، لا سيما في السيناريوهات المعدّة للقدس، والتي خاض في تفاصيلها "د. جاد اسحق"؛ رئيس مؤسسة أريج، في حين أن "د. محمد فهّاد الشلالدة" والباحث القانوني "شعوان جبارين" أظهرا دور القانون الدولي بشأن قضايا حقوق الأرض والسكن وآفاق تحويل جرائم الاحتلال إلى ملفات قضائية في المحاكم الدولية. أما الخبير في القانون الإنساني الدولي "جوزيف شكلا" فقد بيّن أن المصادقة الفلسطينية على المواثيق والاتفاقيات الدولية يجب أن تكون مشروطة وبتحفظ واضح؛ لأن السلطة الوطنية الفلسطينية لا تزال تحت الاحتلال، مما يوجب مسؤولية الحفاظ على تطبيق القانون الإنساني الدولي على عاتق الاحتلال وليس على عاتق السلطة.
هذا جزء من هموم المقدسيين وقضاياهم التي نطرحها، ونحن نستذكر "المرحوم فيصل الحسيني"، الذي ما كان ليقف متفرّجًا ولا إغاثيًا، بل يشمّر عن ساعديه، ويضع الكل الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي أمام مسؤولياته، من خلال توفير المشاريع التنموية (الصغيرة والمتوسطة)، ومن خلال حث المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال وتشجيعهم على توظيف أموالهم وإمكاناتهم المادية من أجل تطوير حياة المقدسيين وتوفير سبل العيش الكريم لهم، وابتداع الأساليب والطرق الكفيلة بالمحافظة عليهم في مساكنهم.
رحم الله "الشهيد فيصل الحسيني" الذي سيبقى المقدسيون بشكل خاص والفلسطينيون، بشكل عام، يذكرونه كلما مرّوا بضائقة وضيق وملاحقة الاحتلال الذي يسعى إلى تهويد الساكن والمتحرك على أرض إسراء ومعراج محمد صلى الله عليه وسلم، وأرض مهد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام.
فلسطين، بيت لحم، العبيدية
28/05/2015م
aziz.alassa@yahoo.com
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق