قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 22 سبتمبر، 2013

د. حسن طوالبه : انهيار الزاوية الثالثة من مثلث العمق العربي

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
انهيار الزاوية الثالثة من مثلث العمق العربي
شبكة البصرة
د. حسن طوالبه
هاهي مصر بعد العراق وسوريه تنزلق نحو الفوضى المخطط لها منذ قرن من الزمن. سبق ان اوضحت ان المخطط الصهيوني وفق بروتوكولات حكماء صهيون يقضي بتقسيم الامة العربية والوطن العربي جغرافيا وديمغرافيا حسب الاقوام والاديان والطوائف والمذاهب. وقد حصل الجزء الاول من المخطط , اي التقسيم الجغرافي عام 1916 , حسبما ورد في اتفاقية (سايكس – بيكو) , وبدأ الجزء الثاني باتفاقيات الذل التي وقعتها الانظمة القطرية مع الكيان الصهيوني – كامب ديفيد , اوسلو , وادي عربه -. اما الجزء الثالث من المخطط فقد بدأ باحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة 2003 , بدعوى نشر الديمقراطية في البلاد العربية , وفق الرؤية الغربية للديمقراطية , وهي الوصفة السحرية التي أدت الى انهيار الاتحاد السوفيني السابق.كما عبر عن ذلك بريجنسكي الذي قال " انها افضل وصفة سحرية " لتفكيك الاتحاد السوفيتي.
استعراض لما جرى في هذه الاقطار الثلاثة يؤكد صحة تنفيذ المخطط الصهيوني , فالعراق العربي الذي شكل بوابة الوطن العربي الشرقية , في مواجهة المد الايراني الخميني , تم احتلاله لدواعي واسباب واهية اثبتت الايام عدم صحتها , ولم يكتف المحتل الامريكي بالاحتلال بل دمر كل البنى التحيتية فيه , بعد ان كان العراق في مقدمة دول المنطقة من حيث التقدم التقني والعلمي والثقافي والصناعي , كما تم تدمير كل هياكل الدولة العراقية , وفي مقدمتها حل الجيش العراقي صاحب المأثر الوطنية والقومية المعروفة , وتشريع دستور طائفي من صنع الصاينة بصياغة عربية.
الاغرب في الاحتلال الامريكي للعراق , انه تنكر لكل الوعود التي تحدث بها قبل الاحتلال , فلم يعد يهتم لنشر الديمقراطية في الاقطار العربية وفق النموذج العراقي , بل ركز نظره على سرقة النفط العراقي , وترك مهمة الحرب الطائفية والاقتتال بين العراقيين لنظام ولاية الفقيه في ايران , فهذا النظام الذي تفاهم مع الادارات الامريكية سرا وعلنا على اقتسام الكعكة في الشرق الاوسط , قام بالمهمة وتنفيذ المخطط الصهيوني خير قيام , وما عجزت عنه الدول الاستعمارية طيلة قرن من الزمان , قام به نظام ملالي طهران خلال سنوات. فقد استخدم شعار تصدير الثورة , ومعاداة الغرب والكيان الصهيوني في الاعلام فقط , كما استخدم شعارات المظلومية والاسلام السياسي لتحقيق اطماعه على حساب العرب.
قبل الاحتلال ما كان المواطن العربي يعير بالا لما يسمى التعصب الطائفي , والاحتراب الطائفي بين السنة والشيعة , ولكن نظام الملالي زرع هذه العنصرية البغيضة , وعمقها يوما بعد يوم من الاقوال الى الافعال , ومن خلال وسائل الاعلام العديدة , ومن خلال الرشوة المالية التي يمنحها الى الاشخاص والجمعيات الخيرية التي تعمل لصالحه , بهدف كسب الاصدقاء والانصار لنظام الملالي.
لقد نفذ نظام الملالي ما عجز عنه الاستعمار الغربي طيلة العقود المنصرمة , فقد تمكن من خلال ادواته الاعلامية والارهابية ممثلة في الحرس الثوري وقوات القدس وحزب الله اللبناني والمليشيات الطائفية , ان يبسط سيطرته على العديد من المؤسسات الاعلامية والثقافية في البلدان العربية مثل المؤتمر القومي العربي ومركزه بيروت. وكل هم هذه المؤسسات التابعة لنظام الملالي شيطنة الفكر القومي , وتسفيه الاحزاب القومية والعلمانية واليسارية. ولم تكتفي الوسائل الاعلامية النيل من الاحزاب المدنية , بل وصل الاستهتار والتشهير برموز الاسلام من المذهب السني حد التكفير والحط من قدرهم ومركزهم الديني والسياسي , والنيل من صحابة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).
لقد امتدت اذرع نظام الملالي الى سوريه بعد لبنان , وأمدت نظام الاسد بالخبرات الفنية والتقنية , وهاهي قواته تقاتل الى جانب قوات الاسد وارتكبت المجازر بحق الشعب السوري كم احصل في القصير , ومعها قوات حزب الله اللبناني ومعها قوات مليشيات عراقية تتبع لحزب الدعوة المرتبط مع نظام الملالي بعلاقات مصالح وثيقة منذ زمن بعيد. ولم يكن تدخل هذه القوات تدخلا سياسيا فحسب , بل هو تدخل ديني طائفي بامتياز , حيث اثار هذا التدخل الجانب المتطرف في الطرف المقابل , اي المتطرفون من المذهب السني , من جماعة " دولة العراق الاسلامية " , و" قوات جبهة النصره " , الاكثر تطرفا وقابلية للارهاب والقتل على الهوية , وارتكاب المعاصي باسم الاسلام , منه زواج " نكاح الجهاد " , الذي يهتك اعراض النساء المغرر بهن.
ما جرى في سوريه يتحمل مسؤوليته النظام السوري بالدرجة الاولى , لان هذا النظام لم يأخذ من مبادئ حزب البعث غير الاسم , وقد اساء الى الحزب , كما اساءت الجماعات الاسلامية السياسية المتطرفة للاسلام ايضا. فهذا النظام استهتر بمشاعر الجماهير السورية التي طالبت بابسط حقوقها , وهي الحرية. ولو كان هذا النظام وفيا لمبادئ البعث لوقف مع الشعب في مطالبه ومنحهم الحرية التي يطالبون بها. ولو كان يؤمن بالعمل الجماعي , اي يعترف بالاخر لاصدر عفوا عن كل المعارضين لنظامه وبالذات الاخوان المسلمين الذين انهكنهم سنوات التشرد في بلدان العالم , وكان امل الكثيرين منهم العودة الى مسقط رأسهم ليكملوا بقية عمرهم. ولو كان يؤمن بالعمل الجماهيري لاحترم رموز المنظمات الشعبية , ولما زج بهم في السجون وكمم افواههم حتى لا تنطق بكلمات الحق والحرية والعدالة.
الخطيئة الكبرى ان النظام استعلى وتصور نفسه فوق كل الاعتبارات والاحداث التي وقعت في البلدان العربية , وقال : نحن لسنا مثل تلك البلدان التي عاشت فتنة الربيع العربي. ولم يعتبر بما حصل لزعماء هذه البلدان من مأسي وما حصل لشعوبهم من ويلات.
لقد فتح نظام الاسد ابواب سوريه لكل من هو حاقد على العرب وعلى سورية والسوريين بخاصة. وعندما يتحدث عن الارهاب , فالسؤال هو من فتح الباب امام الارهابيين؟. وهل من العدل ان يوصف المعارضون لنظام الاسد بالارهابيين؟. ولابد من مراجعة الاحداث لمعرفة من دفع المعارضين الى حمل السلاح؟.
بعد عامين من القتال الدامي الذي راح ضحيته اكثر من مئة الف مواطن سوري جلهم من الاطفال والنساء وكبار السن , وتشريد مليوني مواطن خارج سوريه , وملايين مثلهم داخل سوريه , اضف الى ذلك الدمار الذي حل بالممتلكات الخاصة والعامة. بعد عامين لا النظام انتصر ولا المعارضة انتصرت , وما زال النظام قويا من حيث القوة العسكرية , مدعوما بقوى اقليمية من ايران وحزب الله والنظام الطائفي في العراق , ومن قوى دولية مثل روسيا والصين. لقد وجدت روسيا فرصتها في الازمة السورية لكي تحتل موقعا قياديا في النظام الدولي الجديد الذي يتكون , عقب فشل الادارات الامريكية في تكوين نظام عالمي امريكي خالص.
وسواء استخدم النظام السلاح الكيماوي ام لا , فانه ارتكب مجازر افظع من السلاح الكيماوي , وما زال مستعدا لارتكاب المجزرة تلو الاخرى , مقابل ان يبقى في سدة الحكم. لاعتقاده ان بقاءه هو القدر الذي ابتلي به الشعب السوري. وعقب التهديد الامريكي بضرب مرتكزات القوة العسكرية السورية , اثر مجزرة الغوطة , اعلن النظام استعداده لتدمير او تسليم سلاحه الكيماوي الى اي جهة دولية. ومهما كانت براعة نظام الاسد وحلفاءه في ايران في المناورة والدبلوماسية , الا ان القوى الغربية اكثر براعة في الاحتيال والمراوغة , اذا ما بدأت فرق التفتيش بالعمل داخل سوريه. فهذه الفرق سوف تخرق السيادة السورية شاء النظام ام ابى. ولابد من استذكار تجربة العراق مع فرق التفتيش الدولية , التي استباحت السيادة الوطنية العراقية , وتطاولت عليها بتفتيش القصور الرئاسية , والتحقيق مع كل الشخصيات العلمية والعسكرية للتاكد من وجود اسلحة دمار شامل في العراق. ولا نستبعد ان يشمل التفتيش مواقع في العراق ولبنان , لان المعلومات المتسربة تفيد بان النظام هرب اسلحة دمار شامل الى كل من حزب الله والى الحكومة العراقية ومنها الى ايران.
ان هذه العملية ستأخذ زمنا طويلا , اضافة الى الكلفة المالية الكبيرة من اجل تدمير السلاح الكيماوي او نقله الى بلدان اخرى , او التحفظ علية في سوريه , والاغلب انه سيتم جمعه في اماكن محددة في سوريه , وتحت الرقابة الدولية. المهم ان هذه العملية تعد خرقا للسيادة السورية , واتلاف سلاح مهم كان يحقق بعض المعادلة في توازن القوى في المنطقه. اضف الى ذلك اذا ما تم وضع الاسلحة الاخرى تحت الرقابة الدولية مثل الصواريخ البلستية التي تحمل الرؤوس الكيماوية. اي ان القوة العسكرية السورية التي كان يحسب لها حساب ستخرج من المعادلة الاقليمية. وهذا ما يريح الكيان الصهيوني وينعش اماله في اعلان الدولة اليهودية الخالصة , بما فيها القدس الشرقية , وانتهاك الحرم القدسي الشريف وتقاسمه مع المسلمين كما حدث للحرم الابراهيمي في الخليل من قبل.
اما انتفاضة الفيس بوك في مصر ضد نظام حسني مبارك , فقد منحت الاخوان المسلمين فرصة ركوب الانتفاضة وقطف ثمارها عقب تنحي مبارك عن الحكم وتسليمه الى العسكر. وعقب سنة من حكم الاخوان المسلمين ومحاولتهم اقصاء الجميع واحتكار السلطة بحيث تكون سلطة اخوانية بامتياز , وصياغة دستور على مقاس الاخوان , ثبت فشل الاخوان في ادارة السلطة , وظهرت الفتاوى التي اثارت حفيظة العلمانيين والاقباط والاقليات الاخرى.مما حفز المناهضين للاخوان للقيام بانتفاضة جديدة انتهت بعزل مرسي من الحكم ومعه الاخوان , بعد ارتكاب مذبحة بشرية , ما زالت تفاعلاتها قائمة ولن تنتهي في امد قصير.
وقد يتكرر السيناريو الجزائري مرة اخرى في مصر , وبالذات اذا ركب الاخوان رؤوسهم وساروا في طريق العنف والارهاب , ومهما كانت قوة الاخوان فمن غير المتوقع ان ينتصروا على قوة الدولة المدعومة من الجيش والشرطة وقوى الامن الاخرى. فاخوان الجزائر تمردوا قرابة عشر سنوات وبالتالي انقسم الاخوان بفعل الخبرة الامنية لدى قوى الدولة الجزائرية , وهذا ما سيحصل في مصر فلن تتمكن قوات الاخوان من الاستمرار طويلا في تمردهم , الا اذا وجدوا من يدعمهم من دول الاقليم او العالم. لكن المتوقع ان تستمر حركة التمرد لفترة من الزمن تنهك قوى الجيش والشرطة , وبالتالي تخرج مصر من دائرة الصراع , وتصبح قوة هامشية قياسا الى قوة الكيان الصهيوني او القوى الاقليمية الاخرى مثل ايران وتركيا.
هذا السيناريو المتشائم قد يتم تجنبه اذا وعت القوى المصرية ما يدور في الاقليم وما يراد لمصر , وعملت بجد وصدق , وغلبت المصلحة القومية على الانانيات الذاتية.
ان ماتم في الاقطار العربية من انتفاضات شعبية كان امرا طبيعيا , لان النظام العربي الذي تكون عام 1945 بقيام جامعة الدول العربية , بناء على مقترح بريطاني , هو نظام هزيل يجمع قوى عددية , ويسود هذا النظام الانانيات والعقد والنرجسية لدى الزعماء سواء من الملوك او الرؤساء الذين اصبحوا ملوكا اكثر من الملوك الاصليين.
لقد تكلس النظام العربي الرسمي وانحصر في مهمة الحفاظ على سلطة الزعماء , وصاربقاء الزعيم اهم من بقاء الوطن. فساد الفقر رغم كم الثروات الموجودة في الوطن العربي , وحرم المواطن من ابسط حقوقه في الحرية والعدل والمساواة. وعليه صار حتما ان ينتفض الشعب للمطالبة بحقوقه , ولاسيما في عصر العولمة الاعلامية , وانتشار وسائل الاتصال الهائلة.
الانتفاضات الشعبية في الاقطار العربية رد فعل طبيعي على تخلف الانظمة العربية الرسمية , اقول انتفاضات ولا اقول ثورات , لان الثورة لها قيادة سياسية وقيادة ميدانية ولها برنامج تسير علية. ولان الانتفاضات الشعبية افتقدت للقيادة التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة , فقد تسسللت قوى محلية واقليمية ودولية وركبت موجة تلك الانتفاضات وسيرتها وفق برنامج اخر لا يحقق الهدف من انتفاضة الشعب العربي في اقطاره.
نظرة على ماحدث في الاقطار العربية نجد انه صب في خانة مخطط الاعداء والصهاينة. اي ان الهدف الجديد القديم هو تقسيم الاقطار العربية بعد ذاك التقسيم الذي حصل لتنفيذ اتفاقية (سايكس – بيكو) 1916 ,الى دويلات طائفية وقومية وعرقية ودينية. فالسودان اصبح دولتين , وقد تصبح ثلاث دول اذا انشقت دارفور. والعراق عمليا فيه ثلاث دول , واليمن مقبل على التقسيم , وسوريه مخطط لها ان تنقسم ومصر ليست بعيدة عن هذا المخطط. كل ذلك يحصل تحت وصفة الحكم الفيدرالي.
التوصيف المعلن والمخفي لاوضاع الاقطار العربية مؤلم جدا , ومخيف ايضا.ولا توجد خارطة طريق للمستقبل ابدا لدى الزعماء الذين يحكمون الان , بل ضياع وانسداد في الافق امام المواطن العربي. الخوف يملؤ قلوب الناس من الغد المجهول. وصارت لقمة الخبز او حبة الدواء هي الهدف والسعي وارئها هي الشغل الشاغل للغالبية. اضف الى كل ذلك هذا الانهيار القيمي وتفشي الجريمة والعنف في كل المواقع , حتى وصل العنف المسلح الى ممثلي الشعب في بعض البرلمانات العربية.
ان الامل هو في تبني الجهاد ضد قوى الاحتلال الغربي والصهيوني , هذا هو الجهاد الحقيقي الذي يرضي الله تعالى , وليس القتل والتدمير في بلاد العرب والمسلمين , وكأن دمائهم صارت رخيصة الى هذا الحد. والنموذج الجهادي الذي سارت عليه المقاومة العراقية والذي اجبر القوات الامريكية على الانسحاب نهاية 2011 ,هو الاجدر ان يتبع من قبل القوى القومية والاسلامية في الوطن العربي.
ان اعداء الامة العربية كشفوا عن هوياتهم وكشروا عن انيابهم , وبدأوا بنهش اجسادنا وانتهاك اعراضنا , وبتنا عراة لا يكسونا شيئ. وليس امامنا الا مقاومة هذه القوى الشرية واولها نظام الملالي في ايران واتباعه في لبنان والعراق والجزيرة العربية. وعلينا ان لا ننخدع بشعارات الديمقراطية المرفوعة والتي تستعلي على السيادة الوطنية والاستقلال الناجز.
شبكة البصرة
الخميس 13 ذو القعدة 1434 / 19 أيلول 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق