قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

السبت، 20 أكتوبر 2012

انحسار نهري دجلة والفرات.. وما لا تعرفه عن النتائج الكارثية وسيناريو يوم القيامة على العراق وأجياله القادمة.. الزلزال القادم وجرس انذار لكافة العراقيين.! - معلومات خطيرة

انحسار نهري دجلة والفرات.. وما لا تعرفه عن النتائج الكارثية وسيناريو يوم القيامة على العراق وأجياله القادمة.. الزلزال القادم وجرس انذار لكافة العراقيين.! - معلومات خطيرة

tigris1
عندما جئت أكتب مقالي هذا عن انحسار دجلة والفرات، والنتائج الكارثية التي سأُاتهم بإثارة أجواء التشاؤم، ثم استبدلت العنوان بـ (العراق، الزلزال القادم) و لكني وجدته لا يقل تشاؤما عن سابقه، ثم وقع إختياري على (البكاء عند أنهار تحتضر).
هذه السطور ليست مرثية لدجلة والفرات، ولكنها جرس إنذار للعراقيين جميعا، ليدركوا بشاعة السيناريو الذي نسير باتجاهه، ونتائجه الخطيرة على جميع مناحي حياتنا. هذا السيناريو لم يعد بعيدا عنا، بل بات قريبا، فما يفصلنا عن عام 2040 أو 2035 ليس سوى سنوات قصيرة لا تعد شيئا في عمر الأمم والشعوب.
يشخص علم النفس الحديث حالة مرضية اسمها (إلالقاء في اللاوعي)، ومفهومها أن الفرد عندما يقع في مشكلة أو يصاب بمرض ويعجز عن المواجهة والعلاج أو يتهرب منها، فأنه يُسقط ذلك كله من وعيه، ويلقيه في دائرة اللاوعي أو منطقة التجاهل والنسيان. ويبدو أن بعض المجتمعات مصابة بنفس الداء، فهي تتهرب من مسؤولياتها، وتدفن رأسها في الرمال إزاء المخاطر المحدقة بها، وتظهر قدرا خطيرا من اللامبالاة وعدم الاكتراث تجاه مصائب جلل تحدق بها. هذا ما نفعله نحن العراقيون بالضبط إزاء مخاطر انحسار دجلة والفرات؛ وإذا كان من غير الممكن تصور أن أي إنسان يبقى صامتا تجاه إنسان آخر يقبل و في يده موس لكي يقطع شرايينه، فإن الذي حدث أن دولة العراق، والرأي العام العراقي، بقوا صامتين لعقود على عمل هو أشبه بقطع شرايين الدم عن الكيان العراقي.
 إذا كانت مصر هي هبة النيل فإن اسمها كدولة لم يستمد من ذلك النهر، كما حدث في العراق الذي عرف (ببلاد ما بين النهرين) و(ميسوبوتاميا) في التاريخ القديم، وليطلق عليه لاحقا العراق وبلاد الرافدين. إذن فالنهرين العظيمين هما والعراق ككيان صنوان لا يفترقان، وعندما يغيب النهرين أو يضمحلا يصبح العراق بمفومه المعروف والمتداول موضع تساؤل، فالنهرين هما مقومات وجود بالنسبة للعراق وليسا مجرد مقومات رفاه أو قوة يمكن تعويضها، والعراق من غير دجلة والفرات لن يكون ذلك الوطن الذي نعرفه، كما أنه لن يكون ذاك العراق الذي عرفه التاريخ.
منظمة المياه الأوروبية، وهي منظمة فنية ذات مصداقية، توقعت جفاف نهر دجلة بالكامل في عام 2040، ولا نظن أن هذه المنظمة معنية بنشر التوقعات المفزعة، أو ترغب بإساءة علاقة العراق بجيرانه. أما الفرات فلا يبدو أنه بحاجة إلى المزيد من التنبؤات السيئة، فواقعة الحالي ينبئ عن مصيره القريب، فلقد غدا مجرد جدول شاحب اللون في مدننا العطشى، ولا يصعب على من يقرأ الأرقام أن يكتشف حجم الكارثة والنتيجة التي سنصل إليها في غضون سنوات معدودة.
كثيرون يتوهمون أن انحسار النهرين سوف لن يتعدى في تأثيراته أوضاع الزراعة، ولا يدركوا أن خارطة العراق الحضرية ستتغير بالكامل، مدن وحواضر ستختفي أو ستكون في حكم الميتة، وإن تشبثت بالحياة، ومدن ستنمو نموا سرطانيا وستحاط بأحزمة الفقر، ومساكن الصفيح. ستتعاظم ظاهرة ترييف المدن بكل ما تحمله من نتائج خطيرة سياسيا واجتماعيا، وستتقافز نسب الفقر والبطالة والإصابة بالأمراض، ويعشعش الجهل والتطرف ويضرب جذوره. هذا الذي نقول ليس سيناريوها تشاؤميا نبتكره من مخيلتنا، ولكنه النتائج المؤكدة للأرقام التي بين أيدينا اليوم، ولتطور ونمو هذه الأرقام بفعل الزمن من خلال دراسة منحنياتها ومساراتها.
عام 2040 وهو العام الذي تذكر الدراسات أنه سيشهد جفاف دجلة (حيث يكون الفرات قد سبقه لذلك) سيكون عدد سكان العراق بحدود الـ 75 مليونا، فمن سيدبر غذاء هذا العدد من السكان؟ و كم ستكون حصة الفرد الواحد من المياه، ومن الأرض الزراعية؟
إذا كنا اليوم، ودجلة و الفرات على الوضع الحالي، قد دخلنا ضمن دول الفقر المائي بحصة مياه تقل ألف متر مكعب للفرد الواحد، مع تفاوت طفيف في التقديرات، و إذا كان العراق يخسر سنويا ما بين مائة إلى مائة وخمسين ألف دونم من أرضه الزراعية بسبب الجفاف والتصحر، ومع استمرار الدول المجاورة وعلى رأسها تركيا بتنفيذ مشروع (الغاب) الذي يتضمن إنشاء 22 سدا، وبسعة خزن تتجاوز 155 بليون متر مكعب من المياه، وأن سد (أليسو) المقام على نهر دجلة سيحرم لوحده العراق من ثلث اراضيه الزراعية، فإنه بهذه المعطيات لا يصعب علينا أن نتصور الصورة القادمة و(القاتمة).
عراق تعاني مدنه وزراعته العطش والجفاف، ويحصل مواطنه على حصة فقيرة من المياه لا تسد رمقه واحتياجاته، واقتصاد يعجز عن توفير لقمة الغذاء للـ75 مليون عراقي حتى لو وجه عائدات النفط كلها لإطعام مواطنيه، سيكون هناك صراع داخلي شرس على موارد المياه، يضيف تهديدات إضافية للكيان العراقي، ويزيد من عوامل انقسامه وتفتته، سيبرز مجددا ما يعرف في العراق بصراع (الصدور والبزايز)، حيث ستحرص المحافظات التي تستلم الإيرادات المائية أولاً (الصدور) على أن تحتفظ بتلك الإيرادات المتناقصة أصلا لاستخداماتهاـ فيما ستعترض محافظات (البزايز) على ذلك، وتتفاقم فيها المشكلة والحاجة إلى المياه.
يعلمنا علم الاجتماع السياسي بأن نشوء أولى الدول التي عرفها العالم على ضفاف الأنهار في الحضارات القديمة، مصر والعراق، جاء بفعل حاجة الناس إلى حكومات قوية تتولى عملية توزيع حصص المياه فيما بينهم، ومنع التنازع حولها. ومن هنا قامت الحكومات، التي تحولت لاحقاً إلى ديكتاتوريات، وتأليه للحاكم صنعه الناس بإرادتهم لحاجتهم إليه. ولذلك نشأت في التاريخ ما عرف بظاهرة (الفرعونية) أو (تفرعن الحاكم) و من هنا لا بديل للعراق عن مركزية (إدارة الملف المائي) و(إدارة الملف النفطي) لأنه في غياب هذه المركزية ستحصل الفوضى والنزاعات، وصولا إلى (الصوملة).
العراقيون القدامى تعاملوا مع الأنهار ونظروا لها بقدسية؛ فقد كانت مصدر رخائهم، ومبعث الحضارات التي شادوها. وكان البابليون يعتقدون أن الفرات إلها، وحينما يغضب على رعيته يعاقبهم بالطوفان، وكانت هذه الرعية تنذر إليه وتتضرع له لئلا يغضب عليها؛ وقد عثر على رقم بابلي فيه خطاب موجه إلى نهر الفرات جاء فيه:
((أيها النهر يا خالق كل شيء، حينما حفرتك الآلهة العظام قد أقاموا أشياء طيبة على شطآنك و أنعموا عليك بفيض من المياه لا نظير له والنار والغضب والجلال والرهبة، أنت الذي تقضي بين الناس)).
و عندما جاء الإسلام وأشرقت أنواره على هذه الأرض، تنزلت سور القرآن لترسخ في وجدان المسلم ارتباط المياه بالحياة بكل أنشطتها ومظاهرها، وأن فقدان المياه يعني فقدان الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) والماء هو الذي يحيي (البلدة الميتة) ومثل هذه الصورة والمعاني مبثوثة في سور التنزيل بما يكرس قانون الترابط بين حياة المدن والمياه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر نهر الفرات كأحد أنهار الجنة، وفي حديث آخر يشير إلى أنه سينحسر عن كنز من الذهب .
لو جئنا ندرس الجغرافيا السياسية للعراق (الجيبولتيكا) نجد أن هناك ثلاث حقائق كبيرة تطل برأسها أو لنقل ثلاث نقاط ضعف واضحة تبرز للعيان، أولها أن معظم أنهار العراق أو إيراداته المائية تأتي من خارج أرضه، ثانيها أنه لا يملك إطلالة واسعة على البحر، وثالثها أنه محاط بجيران أقوياء هما (تركيا و إيران).
هذه الحقائق، أو نقاط الضعف، ينبغي لها على الدوام أن تبقى أمام أنظار من يخطط لنظرية الأمن الوطني للعراق، أو لمن يرسم سياسته الخارجية، لكي يضبط بوصلة تحركه باتجاهها أو باتجاه تلافي وتقليص تأثيراتها الضارة. أحد مؤسسي الدولة العراقية الحديثة، وهو السيد نوري السعيد رئيس الوزراء الأسبق رحمه الله، والذي يعتبر أبرز سياسيي الحقبة الملكية، كان على ما يبدو واعيا لأهمية دجلة والفرات أو للبعد المائي في الإستراتجية الوطنية العراقية، ولذلك نراه يولي وجهه شطر تركيا وإيران، ويسعى لإقامة تحالف إستراتيجي معهما، والذي ابتدأ باتفاق مع تركيا باسم الميثاق التركي - العراقي عام 1955، ثم تبلور إلى حلف بغداد الذي ضم إيران وباكستان لاحقا بعد فترة قصيرة. لا أظن أن دجلة والفرات وضرورة تأمين مواردها، من خلال علاقة طيبة مع جيرانه، كانت غائبة عن فكر ودوافع ذلك السياسي العراقي المخضرم، الذي اختلف العراقيون كثيرا حول شخصيته و سياساته، ولقي معارضة كبيرة من مصر الناصرية وقتها، والتي رأت أن عراق نوري سعيد سيكرس زعامته للعالم العربي على حسابها.
مصر التي تعيش وضعا مائيا يشبه إلى حد كبير حال العراق من حيث كون نهرها ينبع من خارج أرضها، ومن حيث اقتران حضارتها وازدهارها بالنيل، تعاملت سياستها الخارجية بكفاءة أكبر مما عملنا نحن في العراق فيما يتعلق بالملف المائي؛ وكان النيل، باستمرار، أحد موجهات سياستها الخارجية ومن أهم عناصر تشكيلها. الرئيس عبد الناصر تحدث في كتابه (فلسفة الثورة) عن ثلاث دوائر للسياسة المصرية وهي الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الإفريقية، ولم يتردد في الإفصاح عن سبب الاهتمام بإفريقيا هو النيل الذي ينبع من أرضها. الدبلوماسية المصرية نجحت في وقت مبكر من القرن المنصرم في عقد الاتفاقيات مع الدول المتشاطئة على النيل، والتي تعد عشرة دول وذلك لكي تضمن حصة الأسد من إمداداته، لا بل أنها نجحت في أن تمنع أي دولة على النيل من القيام بأي مشروع عليه، وأن تحظى بحق الفيتو على ذلك؛ لكن هذا الوضع بدأ بالتغير بالسنوات الأخيرة بسبب تحسن وضع الدول الأفريقية المتشاطئة مع مصر من الناحية السياسية والاقتصادية، وتنامي حاجاتها لمياهه. وتأتي إثيوبيا على رأس هذه الدول.
منذ عهد رئيسي وزراء تركيا، سليمان ديميريل وتورجوت اوزال في ثمانينات القرن الماضي وما بعده في حقبة التسعينات، سارت تركيا بخطى واسعة على طريق إقامة المشاريع على نهري دجلة والفرات، علما أن فكرة مشروع (الغاب) التركي تسبق حقبة هذين السياسيين. كان سليمان ديميريل يرد على اعتراضات العراق وسوريا بالقول أن هذين النهرين ينبعان من أرضنا وهما ملك لنا، كما أن النفط الذي هو في أرضهم ملك لهم، أما تورجوت اوزال فكان صاحب نظرية (كل برميل ماء ببرميل بترول)، والسؤال الذي يبرز هنا هو أين كانت الدولة العراقية، وأين رد فعلها عندما كان مشروع الغاب في بواكيره؟
الجواب هنا بكل وضوح أن الدولة العراقية ومنذ مطلع الثمانينات موضوعة في (غرفة الإنعاش) ومصيرها معلق بين السماء والأرض؛ فهي إما منغمسة في حرب ضروس كما حدث مع إيران في الأعوام 1980 -1988، وإما قابعة تحت حصار دولي غاشم طيلة حقبة التسعينات وحتى عام 2003، أو دولة تحت الاحتلال، ومجتمعها تعصف به الحرب الأهلية والانقسامات .
ضعف الدولة العراقية أغرى دول الجوار للاقتيات على حقوق العراق المائية، ولا زال يغريها بالمزيد طالما بقى الانقسام، والصراع يفتك بالمجتمع العراقي، ويكبل يد الدولة عن حماية حقوق العراق والدفاع عنها. ساسة العراق منشغلون بفرعيات المسائل، وهوامش القضايا عن عظائم الأمور والتحديات الخطيرة والكبيرة التي تحدق بالكيان العراقي. الدولة العراقية بكل صراحة، وفي ظل الوهن الذي يستشري في مفاصلها بسبب الخلافات السياسية، أعجز من أن تسلط ضغطا على أية دولة من دول الجوار من أجل حماية حقوقنا في دجلة والفرات. كأني بتلك الدول التي ترقب ضعفنا وانقسامنا وترسل لنا مياه بزلها، أو فضلات المياه التي استخدمت في الري على أرضها، تردد قول الشاعر الجاهلي عمرو ابن كلثوم حين يقول:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ** ويشرب غيرنا كدرا وطينا
أما العراقي، فهو بدوره يردد أبياتا للشاعر المصري حافظ إبراهيم حين يشكو
أمن العدل أنهم يردون

الماء صفوا وأن يكدر وردي

أمن الحق أنهم يطلقون

الأسد منهم وأن يقيد أسدي
و هذا هو حال العراقيين اليوم، أسود عاجزة عن الحركة والدفاع عن مصالح وطنها بعد أن أنهكتها الصراعات والأحقاد الداخلية، وأطاحت بكيانها الانقسامات والتنافسات وهو مما لا نراه في أي دولة، حيث لا يمكن لصراعات السياسيين أن تمنع الاتفاق على حماية المصالح العليا للمجتمع، ولا يمكن لأي خلافات فيها أن تتجاوز خطوطا حمراء عندما يتعلق الأمر بأمن المجتمع، وحقوقه الأساسية، ومستقبل مواطنيه.
التفريط، والإهدار، والمظلومية هي العناوين الكبرى والعريضة لحياتنا نحن العراقيين فيما بيننا، وفي داخل مجتمعنا من جهة، وفيما بيننا وبين المجتمع الخارجي بأقاربه وأباعده من جهة أخرى.
لا أجد ما أختم به هذه السطور سوى أن اقتبس من كتاب (ميزوبوتاميا- موسوعة البيئة العراقية) التي أشرف على كتابته نخبة من العلماء والخبراء العراقيين، وأعدّه السيد سليم مطر؛ ففي مطلع الكتاب تجد، وتحت عنوان، إلى أجيال العراق القادمة:
((اغفروا لنا خطايانا بحقكم، إذ نورث لكم بيئة بلادنا الخربة، ضيعنا النفط، أكبر ثروات ومكارم بيئتنا، في حروب ومشاريع طائشة، تركنا أنهارنا وأهوارنا تجف، وهوائنا يتلوث بالأشعة والسموم القاتلة، ومزارعنا وبساتين نخيلنا الباسق تضمر، وآثارنا وأراضينا تصبح مقابرا للقمامة والألغام والأسلحة الفتاكة.
لكننا رغم كل هذا نمتلك كل الثقة والأمل في خصب النهرين الخالدين، وأرواح أسلافنا صانعي الحضارات العظيمة هي التي ستبقى إلى الأبد، تغذي شعلة الحياة والخلاص في الأجيال القادمة، فتموز مهما عطش و مات، إلا أنه لن يكف عن الانبعاث من جديد، حاملا الحياة والخصب والخضرة إلى بيئتنا)) انتهى الاقتباس.
يا ترى هل ستقبل الأجيال القادمة من العراقيين هذا الاعتذار؟
و كيف سيكون حال تلك الأجيال عندئذ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق