قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 8 يوليو، 2015

اسماعيل أبو البندوره : من الهوية القومية الجامعة إلى الهويات الفرعية القاتلة!؛

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الهوية القومية الجامعة إلى الهويات الفرعية القاتلة!
شبكة البصرة
اسماعيل أبو البندوره
الذي يجري في الوطن العربي في المرحلة الراهنة وأصبحنا نراه رؤية العين ونحياه ونستشعره داخل مجتمعاتنا وفي مفردات حياتنا هو هذا التسريع في الإبدال والإحلال وصناعة الملل والنحل والأقليات في أكثرمن قطر عربي، يرافقه تتفيه وتهميش للرابطة القومية العربية وكأن هذا الزمان المستحدث والمستقطع والمصطنع قد عفى على هذه الرابطة وتجاوزها وعاد القهقرى إلى ماضويته وقروسطيته وتوحشه وظلامياته السابقة.
وكان لكل ذلك بالطبع مقدمات في العقل والواقع العربي عندما داهمه واستحوذ وطغى عليه الاختلاط وفساد الرؤية والإفلاس والتراجع والابتعاد عن العقلانية التي أصبحت في عصرنا الراهن خيارا إجباريا لنهضة وتقدم الأمم، وأعاد واستعاد استنهاض واسترجاع تراثاته السلبية التناحرية ومقتلاته التي استنبتت شروخا في العقول والوجدانات العربية وأبّدت حضورها وإعادة انتاجها عبر التاريخ، بدل التدقيق والتحديق في الذات في راهنها ومخاضاتها ومراجعة اشكالياتها وإعضالاتها بطريقة تقدمية استنهاضية حضارية بغية الخروج من حالة التأزم والانطلاق الى الآفاق الجديدة.
ووصلنا إلى هذا الدرك بعد انتهاكات واستباحات لكل المسلمات واليقينات التي تأسست عليها فكرة الأمة الواحدة وانبنت عليها القيم والمباديء العربية الكبرى، وبعد انغلاقات للدولة القطرية على ذاتها أدت إلى خنق كل تطلع إلى الوحدة والتعاون العربي المشترك، وحالت دون أي حوار بين أبناء الأمة ونخبها، والمؤسسات والمنظمات والروابط الشعبية ذات التطلعات القومية الوحدوية التي تريد تجاوز هذا الانغلاق والانسداد وتسعى إلى إعادة بناء العقل والواقع العربي على أسس نهضوية جديدة، ونشأت على ضفاف ذلك ثقافات مليشياوية عصبوية هامشية ونكوصية ضد قومية تهلل وترتل للدولة القطرية الفاشلة آيات الاستمرار في الانغلاق والانخناق والانسحاق وتزين لها هذه الافتخارية والظفراوية القطرية الزائفة.
وكان لمثل هذه الثقافات الارتدادية الدور الأكبر في الترويج للفكر التفتيتي وتعميق البنية الانقسامية على أساس أمميات مدعاة وشموليات وعولميات طارئة إرغامية تريد أن تتجاوز وتلغي الخصوصيات القومية وتفتح العالم على مصراعية ليكون عالما بلا هويات أو ماهيات ولكي يسهل لها كل ذلك اختراق عقل الشعوب وحاضرها ومصائرها أو الحد من مناعتها ومقاومتها وتمنعها على الاستتباع والاستعمار.
ودخلت على هذا الخط دعوات اقليمية طائفية تريد تعميق وتغيير ماهية الشقاق والظلامية والتفتيت والانقسام ووزعت الأمة طائفيا ومذهبيا ليصبح الصراع بين الأديان والمذاهب والملل والنحل والهويات والأقليات المطالبة بالحقوق المنقوصة، وكان كل ذلك يترافق بلعن الرابطة القومية وتهميشها وتتفيهها باعتبارها مصدر الخراب الذي عمّ الوطن العربي وهي من جعلت هذا الوطن المتعدد غير الواحدي إطارا قوميا عربيا شوفينيا واحديا كان ولا يزال يلتهم الآخرين ويضطهدهم ويهضم حقوقهم وتطلعاتهم في الوقت الذي كانت تستيقظ فيه الآن قومياتهم ومذهبياتهم وانشدادهم الكامل إلى دعوات التفتيت وصناعة الأقليات والدويلات.
وتجتمع الآن كل هذه العناصر- الثقافة الارتدادية والممارسة المتوحشة - في بوتقة واحدة لإحداث هذا المشهد الهمجي المتوحش، وهذه الصورة المقلوبة للوجود العربي، وهذا الارتداد الذي استطال وتمدد وأصبح يمس حياة الإنسان العربي ومقومات وجوده، وأصبح هذا الوطن العربي الكبير مسرحا للقتل والعنف والتدمير وأمثولة معتمة في هذه اللحظة من التاريخ بدل أن يكون بلد ومهد الحضارة ومركز الاشعاع والمشاركة الفاعلة في صياغة رؤى العصر.
وكنا ندرك أن الاعتداءات المختلفة على الهوية القومية الجامعة وطرح المشاريع المختلفة (الشرق أوسطية كما طرحها بيريس والمذهبية الطائفية كما تطرحها ايران وتركيا وغيرها من الدول) للإنتقاص منها وتغيير ماهيتها هي الخطوات الأولى الضرورية للإنكشاف العربي والتجريف والإفراغ العقائدي والتلاعب بالعقول الذي يمهد للاستباحة الفعلية وإلحاق الوطن العربي بهذه المشاريع والمخططات.
وإزاء ذلك كله وفي لحظة محاولة اشتقاق بدائل عقلانية لهذا الواقع المضطرب لن نتردد ونتوقف عن القول بأن الرد الرئيس في المرحلة الراهنة لا يمكن تصوره وإعادة بنائه إلا من خلال إستعادة واسترجاع المباديء والأهداف القومية الجامعة الكبرى التي أسست عقل الأمة الوحدوي - النهضوي عبر التاريخ وغرست فيه القيم المستمدة من التاريخ والثقافة العربية بعد مراجعة هذه الأهداف والمباديء مراجعة نقدية تجديدية تجعل هذه الأهداف معاصرة لنا وقادرة على إحياء تقاليد الفكر العربي وعقلانيته وقدراته على تقديم أجوبة في كل المراحل التي ترى الأمة ذاتها في لحظة تأزم أو انسداد.
وقولنا هذا لا يريد أن يهمش الرؤى والتيارات النهضوية الأخرى الساعية إلى تجاوز الواقع العربي الراهن الممزق، ولا يدعي العصمة والواحدية والسداد المطلق، وإنما هو يسعى إلى دعوة الجميع للمشاركة في عملية المواجهة وبناء الرؤى الجديدة من أجل الانتصار على الردة والظلامية وإخماد شعلة العصبيات الطائفية الهائجة والدعوات الساعية إلى إخراج الأمة من التاريخ.
شبكة البصرة
السبت 17 رمضان 1436 / 4 تموز 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق