قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 5 يوليو، 2015

يوغرطة السميري : الإيمان بالأمة وحقها في التحرر والنهوض يفرض العودة للأصول

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الإيمان بالأمة وحقها في التحرر والنهوض يفرض العودة للأصول
شبكة البصرة
يوغرطة السميري، المهدية - تونس
"أن الإيمان يسبق المعرفة، بل هو الدافع إليها"
(الأستاذ ميشال عفلق)

يعيش المجتمع العربي في صيغتيه القطرية أو القومية ظاهرة خطيرة تعد بكل المقاييس سببا رئيسيا إن لم يكن السبب المحوري في تشظيته عامة وما يعيشه من اقتتال خاصة، تشظية وإقتتال مفتعل ومدمر في مختلف ميادين الحياة بلغ مستويات متقدمة من الإرتداد إلي الهمجية البدائية في صورها الغرائزية المقيته في بعض من أجزائه أقاليم بالكامل أو أقطار، ظاهرة تختزل في ما عرفه هذا المجتمع في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية منتذرير للسياسة وتجزئة لكيانها خاصة منذ السبعينات من القرن الماضي وما ارتبط بها من سياسات الوفاق الدولي، تذرير جعل الجدل يتحول من جدل فلسفي يتلمس الحلول كخطوط بداية لفهم موقعنا من حركة العصر إن كان علي مستوي الفكر أو ما ينضح عنه من إنتاج إلي جدل إخباري يقف عند الإستشهاد المبتذل الذي لا يري حدود فعله بقدرما يعدد فعل الآخر دون أن يصل حتي الي طرح التساؤل علي نفسه بصيغة ما هو موقعنانحن كعرب في كل هذا؟
فالكل العربي وبخاصة ممن يهتم بالعمل الحزبي إن كان بصيغة الفاعل المنتظم من داخله أم بصيغة المراقب من الخارج والدارس له في تطوره، لا يتردد في القول من أن العمل الحزبي يسجل تراجعا متسارعا من حيث الأداء، والإنتشار، وقدرة إثبات نفسه ميدانيا، واقناع قطاعات الشعب المختلفة بجدواه حد أن بلغ فيه نفور المواطن من الحزبية درجة القول بسقوطها. تراجع يرتبط بتذرير السياسة الذي لعبت فيه الدولة القطريةأولا، والعولمة ثانيا دور أساسي ومفصلي... تذرير عمقته الحزبية في جانب هام منه خاصة باتجاهها إن كان علي مستوي الخطاب أوالبحث إلي التفكيرالإستراتيجي في صيغ وموجبات النضال إن كان من اجل الأمة العربية عامة أو القطرالواحد بخاصة. والكل يعي من أن هكذا نمط من التفكير والفعل لا يتناول:
• أولا : مفردات تفصيلية مثل كيفية المحافظة علي التنظيم والتخطيط وتطويره بما يقترن به من هياكل وبخاصة هياكل البداية التي تتمثل أساسا في تنظيم بداياته أنطلاقا من الخلية الناجحة.
• ثانيا : انعدام طرح التساؤل علي نفسها من قبيل: كيف يمكن أن نجعل من الرصيد الجماهيري الفاعل قابل للتجدد؟
تفكير وفعل يتجه غالبا إلى قضايا من نوع الطريقة التي تعالج الوضع العربي بوجه عام، أو القطري بوجه خاص، وكيفية تغييره من الحالة التي هو فيها نحو حالة أفضل، أو ينصرف في الغالب إلى مناقشة كيفية تحويل الثروة العربية إلى ثروة حية، أي إلى ثروة تأتى أكلها داخل الوطن لصالح الجماهير الغفيرة ولصالح الأجيال الآتية، وتضمن للعرب أمنا دائما، وتقدما حقيقيا، بدلا من أنتذهب نهبا للأجانب، أو تصرف على التوافه من الامور او تكون حكرا على فئة قليلة في العدد. أي مناقشة العام وإهمال الأساسي، وبذلك أغفل أو تناسي هذا الكل ما يتصل بهذه القضية ذات الطابع الإستراتيجى، أي إغفال الصلة بين ما تطرحه الحزبية من مفاهيم اجتماعية لتحقيق العدل، والمساواة، وبين ما هو متداول من اعلام أو ظواهر بائنة أو قيد البحث والإستكشاف لثروة الأمة العربية عامة أو الثروة في قطر من أقطارها؟ وهكذا أصبح مع الزمن التراجع وانعدام الكلام والبحث في موضوعات التنظيم والهيكلة وإدارة الفعل الذي يتقصد نقل وتفعيل التصور الإستراتيجي إن كان في اطاره الفكري العام أو الخاص إلي حالة ميدانية متصاعدة ومنتجة عصبها الحيوي يكمن عند خط بداية العمل وينحصر في كيفية بناء خلية حزبية ناجحة، ليحل محلها الميداني العفوي والمنفتح الذي لا تحكمه أية ضوابط، اتجاه الحزبيات هكذا اتجاه لم تكن مسؤولة عنه إذ أن تجزئة قضايا الصراع الاجتماعي وفك الارتباط بينها، إما باسم الاستقلالية النسبية للنضال النقابي والمطلبي (الحقوقي، النسائي، الشبابي..) عن النضال السياسي، أو باسم استقلالية ميدان "المجتمع المدني" عن ميدان السياسة، كسيرورة بدأت خارجة - تماماً- عن إرادة الحزبيات، فقوة دفعها تغذت من الحقائق الجديدة التي انتجتها العولمة، التي قطعت أوصال السياسي (الدولة، السياسة، الحزب) باسم "المجتمع المدني". أي تصنيع وتخليق الفوضي التي نراها اليوم والتي يتبرأ منها الكل والكل هو عامل من عواملها.
إن دعاة حزبية العولمة أو من يسمون أنفسهم ب(أصحاب الرؤية العصرية) يتناسون إما عن نقص في الوعي أو تحت طائلة الصدمة المعلوماتية ذات الطبيعة الإخبارية التي خلقتها العولمة أو تشبها بمايسمي ب(الرؤية الديمقراطية كعنوان للمرحلة) مفهوم الحزب وما يتقصده، فالأحزاب في مفهومها الطبيعي هي مشروع دويلات، تنظم مجالات فعلها على مجتمعها الضيق كما تنظم الدولة ولايتها على المجتمع الأوسع، لها مالية واستثمارات، ودور نشر وصحف ومجلات، وجهاز للعلاقات الخارجية، وجهاز للرقابة الداخلية على عمل منظمات الحزب الفرعية (وبعضها على عمل الهيئات المركزية العليا)، وهي تنظم فئات اجتماعية واسعة (عمالاً، فلاحين، تجاراً، مهنيين) في نقابات، وفئات أخرى (طلبة، شبيبة، نساء، مثقفين وأدباء وفنانين) في اتحادات وروابط... إلخ، وهي تنشئ قطاعات حزبية خاصة بهذه الفئات وتابعة لها، وتنشئ جمعيات أهلية ـ حزبية لحقوق الإنسان، والبيئة، والمستهلكين،وتتدخل في كل شيء في الشأن السياسي الوطني والقومي العام (السياسات العامة للدولة والجهازالحكومي)، وفي الشؤون السياسية والاجتماعية التفصيلية من أجور العمال وحقوق المرأة وحقوق الإنسان. فالحزب يتصرف ويثقف بمنطق السلطة البديل القادمة، ويهيئ نفسه لأن يكونها في أي وقت. ولذلك كان في حكم بداهاته أن يعنى بقضايا المجتمع كافة، وأن يكون له رأي فيها بمثل ما يكون له نفوذ في قطاعات المجتمع جميعها، وفي مؤسساتها وأطرها أي تتدعيم المجتمع المتضامن بمؤسسات حماية للوطن والهوية. وهو بذلك كفعل وعمل يتعارض وثقافة العولمة وما تتقصده من تشظية. لذلك نرى هؤلاء يرفضون التنظيم والإنتظام تحت لافتة "الميدان هو الفيصل"، ويتناسون من أن الفعل الميداني الغير منظم والذي لاتحركه مقاصد بائنة ذات علاقة بما هو استراتيجي إن كان فكرا أو تصورا يتقصد. مواضيع مادية ذات علاقة بحاجة الشعب لا يمكن الا أن يكون اكثر من عامل من عوامل الفوضي سرعان ما يمقته المواطن وينأي بنفسه بعيدا عنه.

إن إنعدام أو الإبتعاد عن تناول موضوع بناء الهياكل التنظيمية وأساسا بناء الخلية الحزبية الناجحة يهدد الحزبية بالتلاشي كهياكل فاعلة في المجتمع ميدانيا إن كان تأطيرا سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا بكل ما تختزنه الثقافة من أبعاد إجتماعية، ويؤسس إلي الإرتداد الفكري وفي الرؤية الإستراتيجية التي تتقصدالبناء وحماية المجتمع لفائدة الرؤية الذاتية عند الأطراف ـ المهمشين المسحوقين والفقراء ـ وهيمنة ثقافة ورؤية العولمة بما تعنيه من قتل الهوية الوطنية والقومية في كل صيغها وهيمنة ظاهرة مجتمعات اللوبيات إن كانت شركات أو جمعيات تجمع بين من يرفع شعارات " فعل الخير والبر والإحسان "ومن يوصفون بالمهربين وتجار الفوضي، وهذا الكل من اللوبيات يمتلك اليوم أسبقية الثروة والإعلام كوسائل فاعلة للتزوير وتسقيط ثقافة التضامن التي انبنت عليها ثقافة التحرر وحفظت للشعوب والأمم هويتها وقيمها الإنسانية.
إن أي إنقاذ اليوم يفرض العودة إلي مرحلة البداية التاريخية للحياةالحزبية والإنشغال بكيفية تكوين خلية حزبية ناجحة، وعلي القوميين أساسا أن يستحضروا في هذه المحطة تاريخهم القومي في بدايات التأسيس بصيغة المثال، فتاريخ الأنبياء، صلوات الله وسلامهعليهم، كيف بدؤوا يبشرون برسالاتهم بتكليف من رب السموات والأرض، ألم يكن بتكوين خلايا بادئ ذي بدئ، ثم أصبحت الخلايا مجتمعات كاملة تدين بالرسالات التي بشروا بها.. لقد اصبحت الخلية التي ضمت أبابكر وعليا وحمزة وآل ياسر وعثمان وعمر وغيرهم من اوائل الصحابة دينا يغطي مساحة واسعة من المعمورة. لذلك فالتركيز لا يجب أن ينحصر في الفكر بمعناه العام وحده، ولا على السياسة بمعناها العام وحده، وإنما قبل هذا كله على التنظيم الذي ينقل الفكر والسياسة كما نراها إلى حيز التطبيق، وليس بالضرورة أن يضخ الفكر بكل عناصره إلى الساحة دفعة واحدة، انما يجيء تباعا مع تطورالتنظيم وصيرورة الواقع في تطوره. فالفكر يغني نفسه، ويتطور منتلك الصلة الحية والدائمة مع الواقع كما يحسه ويتفاعل معه التنظيم الحزبي. إن السيد المسيح عليه السلام لم يفض بكل وصاياه إلى أول خلية كونها، بل كانت هذه الوصايا ترد تباعا، وقد استغرقت حياة السيد المسيح «ع » كلها، كما عبر عن ذلك الانجيل، وبعد ما يقرب من ستة قرون ونصف فإن الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة قد استغرقت حياة الرسول صلي الله عليه وسلم كلها من البعث حتى وفاته، على مدى ثلاثة وعشرين سنة.
متي يقلع بعض المنبهرين بالعولمة وثقافة المعلوماتية عما يرددونه من أن "الميدان هو الفيصل" ويفهموا من أن الميادين قد تخلق ذوات سرعان ما ينطفئ بريقها، ولكنها لا تخلق ما يخلقه التنظيم من عناوين دائمة؟؟؟
01/07/2015
d.smiri@hotmail.fr
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق