قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 8 يوليو، 2015

ا. د. عبد الكاظم العبودي : من حضرة الخاتونه بيل إلى زلماي زاد خليل.. الاختراقات المبكرة والمتأخرة للجوسسة الاستعمارية في العراق القسم الأول

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من حضرة الخاتونه بيل إلى زلماي زاد خليل
الاختراقات المبكرة والمتأخرة للجوسسة الاستعمارية في العراق
القسم الأول
شبكة البصرة
إعداد ا. د. عبد الكاظم العبودي
القراءات المتعددة للكتابات التاريخية والمذكرات العربية والأجنبية عن تاريخ العراق في مستهل سنوات القرن العشرين وما قبلها تدفعنا مرارا لإعادة التحليل للتعرف أكثر على مدى عمق التدخل البريطاني وبعده الأمريكي في شؤون المؤسسات الدينية في العراق وخاصة توطيد العلاقات السرية مع البيوت والهيئات الدينية ورجال الدين وخاصة في النجف الاشرف وكربلاء ومدن أخرى.
التدخلات البريطانية في العراق المبكرة بدأت قبل القرن التاسع عشر:
خططت بريطانيا كدولة عظمى لاحتلال العراق وضمه إلى مجموعة ممالكها منذ عصر الاستعمار، وهو حقبة ما بعد عصر النهضة في أوروبا، وظلت مخططات احتلال العراق مؤجلة لحين توفر الظرف المناسب للغزو. وكما يقول المثل العربي (خذوا البلاد بأهلها) فإن الإدارة البريطانية خططت وسعت إلى التسلل وخلق الركائز الاجتماعية التي ستخدمها مستقبلا عندما يتم احتلال العراق عسكرياً.
توظيف العداء المذهبي والطائفي بريطانيا تمهيدا للغزو والاحتلال:
تم استغلال البريطانيون للعداء المذهبي من الطائفة الشيعية ضد الأتراك و بشكل خفي وذكي لكي يضمن الانجليز دعم ومساندة قادة شيعة العراق عندما فكروا بغزو واحتلال العراق عندما حانت لحظة ضعف وسقوط الدولة العثمانية.
ومن كتابات المس بيل بمذكراتها، وعديد مقالات وبحوث وكتب تابعت تاريخ العراق الحديث ومنها (فصول من تاريخ العراق القريب الصادر 1949) وكتابات عديدة للمؤرخين ومذكرات الساسة والعسكريين البريطانيين نتلمس جملة من الحقائق التي كانت غامضة على العامة من أبناء شعبنا والشعوب العربية، رغم أنها كانت متابعة بشكل مستمر من قبل الانجليز وعيونهم في العراق:
(... إن الحكومة العثمانية كانت قبل دستور 1908 تعترف بأن المدن المقدسة تختلف اختلافاً بيناً عن سائر ممتلكاتها، ولذلك فد منحتها بعض الامتيازات التي كان أهمها إعفاء سكانها من الخدمة العسكرية. وبعد موقعة الشعيبة التجأ عدد من الفارين من الخدمة العسكرية إلى النجف الأشرف، فأعلن الأتراك عن عزمهم على إعادة الفارين إلى الخدمة وهددوا بفرض التجنيد على السكان الأصليين فيها كذلك).
Review of Civil Administration of Mesopotamia (CMD 1916) - Prepared by Gertrude L.Bell C.B.E.

هذا التقرير الذي أعدته المس بيل بصدد تنظيمها للإدارة في العراق بعد احتلاله، هو محتوى الكتاب الذي نشره وترجمه لاحقاً المؤرخ العراقي جعفر الخياط بعنوان: (فصول من تاريخ العراق القريب) صدر في طبعة 1949 ونشر لاحقا في طبعة ثانية عام 1971 ببغداد.
لقد وظف الانجليز أتباعهم في النجف ومدن عراقية أخرى واستغلوا الفتن الطائفية والأوضاع المتدهورة التي مرت بها الإدارة العثمانية ومنها ما كتبه الانجليز في مذكرات المس بيل : (... إن الأتراك كانوا قد قرروا مصادرة محتويات "الخزائن" الموجودة في العتبة المقدسة للإنفاق على شؤون الجهاد منها. و راحوا يجبرون الشبان على الخدمة في الجيش، ومن أجل هذا فتشوا البيوت خلال الليل، وتعرضوا بالنساء بحجة أن الرجال كانوا يتخفون بزي النساء للتهرب من الجندية. ثم فرضوا "بدلات" باهظة للإعفاء منها، فهب الناس واستحكموا في الشوارع والدور، ثم وضعوا القوات المدافعة في صحن العتبة المقدسة. فوجه الأتراك مدافعهم نحو الثوار وأنزلوا أضراراً بالمآذن سهواً أو على سبيل التقصد.
وعند ذاك طَيَّرَ السيد كاظم اليزدي برقية احتجاج إلى اسطنبول، فكان جوابها إليه أنه يجب أن ينصرف إلى مهنته كدرويش متعبد وأن لا يتعرض لشؤون الحكومة، وقد تلا ذلك قتال دام ثلاثة أيام استسلم بعدها الجنود الأتراك للآهلين الثائرين فجردهم الرعاع من سلاحهم. ثم نهبت بنايات الحكومة وأحرقت، وهدم بيت القائمقام التركي وطرد هو نفسه).
هذه الأحداث وغيرها كانت مرصودة من قبل جواسيس الانجليز الذين وفدوا إلى المنطقة بصيغ عديدة ومنهم من بني علاقات مع أهل المنطقة وخاصة في النجف وما تسمى بالمدن المقدسة. وسوف نتابع هنا بقدر الإمكان متابعة بعض الشخصيات الانجليزية الذين لعبوا دورا في تاريخ العراق وترتيب أوضاع الإدارة فيه وتوطيد سلطات الأتباع الذين تعاونوا مع الاحتلال بصيغ عدة ومنهم المس بيل (غيرترود بيل ).
في السادس من آذار 1911 كانت المس (غيرترود بيل) تتجول في البادية على مقربة من النجف في طريقها إلى بغداد. وكانت المس (بيل) هذه، التي أصبحت فيما بعد سكرتيرة دار الاعتماد البريطاني في بغداد، وتحكمت بمقادير العراق مدة من الزمن، بما فيها التدخل لصالح تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق في مؤتمر القاهرة 1921 عندما أقنعت وبمساعدة الجاسوس البريطاني الشهير لورنس وزير المستعمرات البريطانية آنذاك ونستون تشرشل. قد تجولت المس بيل قبل الغزو البريطاني للعراق كثيراً في مدن وبوادي نجد وسوريا وجالت مرارا بادية الشام والعراق، وكتبت كثيراً عن جولاتها هذه، ومما جاء في رسائلها المعروفة عن جولتها في هذه الجهة [...أنها بينما كانت في طريقها إلى النجف في هذا التاريخ، السادس من آذار 1911، خطر ببالها أن تستقصي آثار اللخميين في تلك الجهات، وتشاهد الكهوف الغريبة التي قيل لها أنها موجودة في الأجراف المحيطة ببحر النجف من بعض الجهات، فاصطحبت معها إلى هناك الشيخ سلمان [ يغلب على الظن انه الشيخ سلمان آل زجري ]، أحد شيوخ بني حسن. لكنها لا تذكر شيئاً عما عثرت عليه في هذا الشأن ].
وتشير المس بيل إلى أنها (في يوم 7 آذار 1911 وصلت إلى النجف، بعد أن مرت في قسم من طريقها بقاع بحر النجف الجاف. وهي تصف في رسالتها المؤرخة 10/3/1911 البلدة، بكونها بلدة مُسَّوَرة تقوم على حافة الجرف المرتفع بجنب البحر الجاف، وتشير إلى القبة والمآذن والمقابر وقدسية البلد من دون أن تذكر شيئاً يستحق التدوين. لكنها تقول أنها نصبت خيامها خارج البلدة في الجهة الخالية من القبور، وذهبت لزيارة القائمقام التركي الذي أمر مدير الشرطة بأن يرافقها للتجول فيها. وحينما عادت إلى خيمتها زارها عدد من المعممين [- أكثر الظن إن هؤلاء المعممين هم تلك الفئة التي تستغل زيارة الأشخاص البارزين للنجف فتقصدهم على سبيل الاستجداء متذرعة بالشعر أو المسكنة فيسخون عليهم بالعطاء ظناً منهم أنهم من حملة العلم ومن رجال الدين.]. وزارها عدد من الرجال الرسميين على حد قولها. وتشير أيضا (... لأجل المحافظة على مخيمها في الليل وضع ثلاثون جندياً لحراستها غير أنها لم يرقها ذلك فاحتجت بشدة وانسحب الجند).
وهي تذكر في هذا الشأن (إن الحراسة كان لابد منها نظراً للحوادث الكثيرة التي كانت تحدث خلال الليل في منطقة القبور. لأن بعض الناس، ومنهم أفراد القبائل كانوا يأتون بالجنائز ويحاولون دفنها تحت جنح الظلام تهرباً من الليرات العشر التي كانت تفرضها سلطات البلدة رسوماً للدفينة وكانت الدورية تطلق عليهم النار بسبب ذلك فيردون عليها بالمثل).
(وقد سمعت هي وجماعتها إطلاق النار في تلك الليلة مع ما صحبها من صراخ النساء وعويلهن عن بعد ثم خرجت في اليوم الثاني مع رجل من "الضابطية" لمشاهدة خرائب الخورنق فلم تجد فيها على ما تقول سوى بعض التلال، لكنها سرها أن تشاهد الموقع وما يحيط به).
The Letters of Gertrude Bell - Selected & Edited by Lady Bell, London.

مرت المس بيل بالنجف، مرة أخرى يوم 23 آذار 1914، حينما كانت عائدة من نجد في طريقها إلى بغداد. ولا تذكر شيئاً هنا عن النجف لكنها تقول أنها حينما خرجت من حائل كان بودها أن تسلك طريق الحجّ القديم إليها غير أنها علمت أنه لم يكن طريقاً آمناً فعدلت عن رأيها فسلكت الطريق الآخر وهو الطريق الغربي.

للدراسة شهادات ومراجع واحالات وهوامش كاملة
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق