قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

افتتاحية طليعة لبنان الواحد لشهر آذار 2015 الدور العربي في اليمن... المبررات والضوابط

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
افتتاحية طليعة لبنان الواحد لشهر آذار 2015
الدور العربي في اليمن... المبررات والضوابط
شبكة البصرة
في وقت كانت فيه الأوضاع في بعض الساحات العربية المتفجرة تتجه نحو "ستاتيكو" في إدارة أزماتها، جاءت تطورات الأحداث في اليمن لتضفي على الواقع العربي مشهداً لم يكن مألوفاً حيال تعامل عربي مع أزمات أكثر تعقيداً وتأثيراً على الوضع العربي برمته.
فعشية انعقاد مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة، بدأت دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء مسقط ومشاركة رمزية من دول عربية أخرى (مصر - المغرب - الأردن - السودان) تنفيذ عملية عسكرية تحت عوان "عاصفة الحزم".
هذا التدخل العسكري الواسع أملته معطيات داخلية وخارجية.
أما المعطى الداخلي فتلخصت أسبابه الرئيسية بانهيار العملية السياسية التي عبر عنها بآليات الحل الانتقالي، التي لم تفلح الاتصالات والمحاولات التي بذلها مبعوث الأمم المتحدة في احتواء الاحتقان السياسي وإعادة الأمور إلى بداياتها والعمل بروحية مخرجات الحوار الوطني. وقد بدا واضحاً أن تقاطع المصالح بين حزب "أنصار الله" (الحوثيين) وعلي عبد الله صالح أدى إلى تشكيل تحالف مرحلي بينهما، استطاع من خلال عناصر القوة التي يمتلكها أن يخلخل بنى العملية السياسية وصولاً إلى إسقاطها يوم استطاعت جماعات الحوثي من دخول العاصمة والسيطرة عليها مستفيدة من التسهيلات التي وفرتها الوحدات العسكرية الموالية للرئيس الأسبق صالح.
أما المعطى الخارجي فتتلخص أسبابه الرئيسية، بالدور الإيراني الذي رأى في تخريب العملية السياسية فرصة للنفاذ إلى التأثير في مجرى الأحداث عبر الاتكاء على الدور الذي تقوم به جماعة الحوثي وبالتالي حفظ موقع لطهران في تظهير أي حل للأزمة اليمنية. وهذا الأمر لم يكن خافياً على أحد، إذ ما أن تمكنت جماعة "أنصار الله" من الإمساك بمفاصل العاصمة حتى بادر المسؤولون الإيرانيون إلى الإعلان على أن طهران باتت تسيطر على أربعة عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
وعليه فإن النظام الإيراني اعتبر سيطرة الحوثيين على صنعاء بمثابة انتصار له وعليه بدأت طهران تعيد ترتيب أوراقها على ضوء هذا المعطى الجديد. سواء لجهة دورها في العراق وسوريا ولبنان، أوسواء لجهة مفاوضاتها حول الملف النووي، وأن ما زاد من تحمية الوضع هو اندفاعة تحالف الحوثي-عبد الله نحو الجنوب والشرق اليمني. وبالتالي فرض واقع جديد يستند إلى السيطرة الكاملة على اليمن بكل امتيازاتها الجيو سياسية للتأثير على المضائق ودول التخوم وخاصة المملكة العربية السعودية.
إن العملية العسكرية الواسعة التي أطلقت عشية القمة العربية – وأن فاجأت كثيرين وخاصة العام الشعبي، إلا أنها لم تكن مفاجئة للذين هم على مقربة من مركز اتخاذ القرار في مجلس التعاون وبعض الدول العربية والمواقع الدولية ذات الصلة بالأوضاع المتفجرة على الساحة العربية. وبالتالي فإن القيام بخطوات إجرائية لإعادة ضبط الوضع اليمني المتلفت كان متوقعاً خاصة وأن المملكة العربية السعودية تعتبر أن ما يجري في اليمن يؤثر شكل مباشر على أمنها السياسي وبالتالي تعتبر أن ترتيب الوضع السياسي بما يتلاءم وضرورات أمنها هو من الأولويات الأساسية.
هذا من جهة الأمن الوطني السعودي، أما لجهة الأمن القومي العربي، فإن إقامة مرتكز سياسي في اليمن يحاكي استراتيجية الهيمنة والسيطرة الإيرانية إنما يشكل تهديداً للأمن القومي العربي برمته وبالتالي فإن إعادة ضبط الوضع اليمني تحت مظلة الحل العربي هو الذي يحد من تأثيرات النفوذ الإيراني انطلاقاً من إعادة القوى التي سعى النظام الإيراني لاستغلال وضعها ومد جسور التواصل معها، إلى الانضباط تحت سقف هذا الحل الوطني.

من هنا، فإن العملية العسكرية التي أطلقت تحت عنوان عاصفة الحزم، تُقوّم إيجاباً استناداً إلى المبررات التالية:
أولاً: لأنها وجهت رسالة قوية للنظام الإيراني، بأن اللعب بالأمن الوطني للأقطار العربية التي نفذ إليها من خلال استغلال تشظي الأوضاع الداخلية غير مسموح به، وأن فائض القوة التي يحوز عليها بعد ضرب العراق لن تمكنه من إطلاق يده في تخريب الأمن القومي العربي.
ثانياً: إن الاستكانة العربية التي أفرزها الترهل العربي وانعدام الوزن لبعض المواقع العربية المؤثرة ليستا حالة نهائية وأنه بالإمكان إعادة الاستنهاض وإعادة تأسيس وضع عربي جديد يعيد الاعتبار للموقع العربي الجاذب الذي سيعيد ملء الفراغ وبالتالي الحد من الأطباق الإقليمي على الواقع العربي.
ثالثاً: إن إبقاء الوضع اليمني متجهاً نحو المزيد من التفلت الأمني والسياسي، سيدفع اليمن إلى الغرق في مستنقع حرب أهلية وهو الذي عانى طويلاً من ويلاتها وآثارها المدمرة على البنية المجتمعية، وهذه الحرب ستزيد من حدة التدخلات الخارجية من جهة، كما ستزيد من حدة الشروخات الداخلية وستدفع شعب اليمن إلى الاحتماء وراء جدران وسواتر طائفية ومذهبية وقبلية ستستفيد منها أيضاً قوى الترهيب السياسي والتكفير الديني، وهذا ما سيضع اليمن أمام حالة انكشاف وطني شامل وبالتالي تحويل اليمن إلى بؤرة توتر دائمة في واحدة من أهم المفاصل الاستراتيجية للوطن العربي.
إن التأسيس على هذه المبررات الأساسية التي تُدرج العملية في المعطى الإيجابي، لا يلغي وجوب تحديد الضوابط التي يجب أن تحكم هذه العملية التي وإن كانت تكتسب أهمية في بعدها السياسي المتعلق بالأمن القومي العربي، إلا أن ما يجب التأكيد عليه هو الآتي:
أولاً: إن يكون الهدف من العمليات العسكرية محصوراً بإعادة ضبط القوة المتفلتة التي استغلت الظروف السياسية والأمنية للانفلاش على ساحة اليمن، وليس تدمير الجيش اليمني بكل صنوف أسلحته.
ثانياً: إن توجيه العلمية العسكرية نحو الوحدات التي تحركها جماعة "أنصار الله"، والمتماهين معها لا يبرر إطلاقاً ضرب المنشآت والبنى التحتية، لأن هذا العمل يتجاوز حدود الهدف السياسي المحدد للعملية.
ثالثاً: إن القوى التي قامت بالعملية وخاصة القوى المحورية فيها، يجب أن تبادر فوراً إلى إطلاق عملية سياسية، لإعادة إنتاج الحل الذي يحمي وحدة اليمن أرضاً وشعباً ومؤسسات، وأن يكون برعاية عربية شاملة، وحتى يكون الحل للأزمة اليمنية نقطة انطلاق لمعالجة أزمات بنيوية عربية أخرى بعيداً عن أشكال التدخل الإقليمي والدولي.
إن التشديد على الرعاية العربية لحل أزمة اليمن، هو رسالة لشعب اليمن أولاً، بأن الأمة العربية ضنينة بهذا الشعب بكل فئاته واطيافه وحريصة على استقراره وتقدمه وأمنه، ورسالة للخارج بأن الخيمة العربية التي تظلل الجميع قادرة على استنباط الحلول التي تواءم بين مستلزمات الأمن الوطني ومستلزمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.
إن التشديد على دور عربي هو الذي يعيد الاعتبار للأمة العربية في التصدي للأزمات الوطنية والتي أخذت أبعاداً خطيرة في الأونة الأخيرة، وعلى قاعدة أن الأمة المهددة بمشروع هيمنة إقليمي لا يرد عليه بمشروع إقليمي آخر، والأمة المهددة بمشروع تفتيتي مذهبي وطائفي لا يرد عليه بمشروع مذهبي وطائفي آخر بل بمشروع قومي عربي وبآليات عربية وذلك لأن المشاريع الإقليمية المفتوحة على مراكز القرار الدولي إنما تهدف إلى أضعاف وإسقاط المكون القومي العربي، والمشاريع الطائفية والمذهبية المفتوحة على مراكز دول الإقليم هي شديدة الخطورة على الأمن الوطني وأيضاً القومي لأنها تفتح المجال أمام احتراب بين مكونات الشعب الواحد والأمة الواحدة. وهذا ما تسعى إليه قوى التحالف الصهيو-استعماري وردائفه الإقليمية للنزول بالواقع العربي إلى دون ما هو قائم حالياً.
من هنا، فإن الجهد العربي الذي دخل طوراً تنفيذياً في إعادة ضبط الوضع اليمني لقطع دابر التدخل الإيراني في شؤون هذا القطر العربي، يجب أن يشكل بداية لدور مشابه حيث تهدد أقطار عربية أخرى بوحدتها الوطنية وتماسك نسيجها الاجتماعي، والعراق هو واحد من المواقع العربية الذي يجب أن يختبر فيها دور عربي جديد بدعم مشروعه الوطني التوحيدي في مواجهة مشروع التوسع الإيراني والتدخل الدولي العسكري تحت حجة مواجهة الإرهاب.
إن الأمة العربية التي دخلت مرحلة اختبار عملي في اليمن للحد من التدخلات الإقليمية المشبوهة والخطيرة على أمن اليمن والأمن القومي سيؤدي نجاح اختبارها إلى نجاح اختبارات أخرى، وما أكثر الساحات العربية التي تحتاج إلى حضور عربي في معالجة أزماتها في مشرق الوطن العربي ومغربه وانطلاقاً من توفير مستلزمات الاحتضان والدعم لقوى المشروع الوطني الذي كان وسيبقى الضمانة الفعلية للوحدة الوطنية.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق