قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الثلاثاء، 14 أبريل، 2015

باباه ولد التراد : دور الحركات القومية والإسلامية في استعادة الهوية الموريتانية

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دور الحركات القومية والإسلامية في استعادة الهوية الموريتانية
شبكة البصرة
باباه ولد التراد
الهوية هي مجموع الخصائص والسمات المشتركة التي تميز أمة أوطن أو مجتمع معين عن غيره، وتشكل جوهر وجوده وشخصيته المتميزة، والعناصر التي يمكنها بلورة تلك الهوية كثيرة، أهمها اشتراك الشعب في الأرض واللغة والحضارة والتاريخ والثقافة والطموح.
وقد شاركت الهوية العربية في بناء التراث العالمي، ومنظومة الإنتاج الحضاري، وبناء التراث العالمي، وبقيت اللغة العربية محافظة على ثباتها الإيجابي باعتبارها مكونا أساسيا للهوية العربية، لأنها تنهل من معين الثقافة الإسلامية وما تضمنته الشريعة من عقيدة ومعاملة وسلوك، وقوانين وأحكام.
وبالنسبة للهوية الموريتانية فهي هوية عربية إسلامية تحلق بهذين الجناحين اللذين يحملان قيم الإسلام وعزته مع فصاحة اللسان العربي وبيانه، لأنها محصلة عصور طويلة من اعتناق الإسلام ونشره،مع ما يستلزمه ذلك من معرفة بلاغية ولغوية، وهذا هو الذي جعل اللغة العربية تصبح اللغة السائدة في موريتانيا بالرغم من وجود مجموعات ثقافية لا تتكلمها أصلا، حيث تمكنت الحضارة العربية الإسلامية في هذا البلد من تكييف الموروث الثقافي والأخلاقي لمختلف المكونات العرقية غير الناطقة بالعربية في موريتانيا.
ويرجع الفضل في هذا كله إلى المحظرة التي لعبت دورا كبيرا في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية الموريتانية، وكان دور المحاظر في الماضي يتعلق أساسا بإعداد الدعاه وسط الصحراء وعند التخوم لخدمة الرسالة الإسلامية، وقد أمتزجت في هذه المحاظر الحركة الصوفية مع البيئة الصحراوية، وبفضل هذه المحاظر تحول الشعب الموريتاني الى شعب يملك تراثا ثقافيا إسلاميا عميق الجذور في غرب إفريقيا
وخلال الغزو الفرنسي لموريتانيا وقفت هذه المحاظر سدّا منيعا في وجه الاستعمارالفرنسي البغيض ومايرافقه من استلاب حضاري مقيت، وأصبحت هذه المحاظر مراكز للمقاومة بشتى الوسائل الثقافية والعسكرية والسياسية ضدّ المشروع الاستعماري الفرنسي وضدّ الارادة الفرنسية في فرض اللغة الفرنسية على موريتانيا، لذلك حاول الاستعمار القضاء على المحظرة، لما لها من دور في تأصيل الشخصية الموريتانية، وفي هذا الصدد كتب الحاكم الفرنسي العام في غربي افريقيا في تقرير إلى وزير المستعمرات (1902) عن صعوبة هذه المهمة، بسبب الخصوصية الثقافية للشناقطة حيث يقول: "..وجدنا شعبا له ماض من الامجاد والفتوحات لم يغب عن ذاكرته بعد ومؤسسات اجتماعية لا نستطيع أن نتجاهلها" ومع ذلك ضاعفت فرنسا جهودها من أجل إحلال لغتها وثقافتها بدلا من اللغة العربية، لقطع موريتانيا عن محيطها العربي.
ورغم محاولات الاستعمار المتكررة إخضاع المحاظر لسلطته، فقد فشل في تدجين المحظرة وإقصاء خريجيها، حيث أخفق المرسوم الذي أصدره المستعمر سنة (1906) القاضي بصرف منحة تشجيعية شهرية قدرها (60 أوقية) لكل شيخ محظرة يأمر طلابه بتخصيص ساعتين لتعلم الفرنسية.

وبما أن المحظرة لها مكانة مرموقة في نفوس الموريتانيين فقد استطاعت أن تقف في وجه المستعمرمن خلال :
1) إصدار الأحكام الشرعية التي تحرم ثقافة المستعمر المسيحية التبشيرية
2) تحصين المجتمع ضد الإستعمار من خلال نشر الثقافة العربية الإسلامية في ربوع البلاد كافة
3) مقاطعة أغلب السكان للمدرسة الفرنسية

يقول محمد محمود ودادي في لقاء مع الجزيرة.نت (إن الفرنسيين عندما استعمروا موريتانيا لم يفلحوا في فتح مدرسة ابتدائية إلا بعد ذلك بعشرين سنة وكانت لأبناء رؤساء القبائل لأنهم رهائن عندهم وقاطع الموريتانيون كل المدارس الفرنسية.. أنا لم أتعلم الفرنسية إلا بعد العشرين سنة إذا بعدما خرج الفرنسيون إذا كان الناس يعتبرون الدخول في المدارس الفرنسية يعتبرونه حرام شرعيا ولذلك حافظوا على مدارسهم....).
إلا أن إعلان الاستقلال كان بمثابة إعلان معركة شرسة وطويلة من أجل استعادة الهوية الوطنية، حيث تم تجنيد أغلب النخب التي تعلمت في عهد الإستعمار لحماية وجود الفرنسية في موريتانيا وإقصاء اللغة العربية وكان من بين هؤلاء ليبراليون وعنصريون ويساريون من أتباع الفكر الشيوعي اللينيني والماوي إضافة إلى القوى التي كانت مستفيدة من الاستعمار وتحن لعودته.
ونتيجة لذلك أصبح جل المواطنين الموريتانيين مهمشين في وطنهم، وتم استبعادهم من وظائف الدولة، وفي نفس الوقت ينظر إليهم بازدراء من طرف الإدارة والقائمين عليها، كما يقول الخليل النحوي في كتابه " بلاد شنقيط المنارة والرباط " : (فلو أن شيخ محظرة طرق باب إحدى المؤسسات الكبيرة في العاصمة ـ وكثيرا مايحدث ذلك ـ لماوجد أفضل من وظيفة بواب أوحارس أوفراش أوحامل بريد، ذلك أن نظم الوظيفة العمومية وطرق العمل ومناهجه ولغته ـ وهي أشياء موروثة عن الإستعمار ـ لاتضع في حسابها هذه الفئة من المواطنين التي لاتحمل مؤهلات ورقية وكان المستعمريسم علماء المحاضرفي أوراق الحالة المدنية بالأمية. وهكذا أقبل شباب المحاضر على الدولة يطلبون في كنفها لقمة العيش وماء الوجه).
ومن رحم هذه الأجواء بدأت تتشكل التيارات القومية والإسلامية في موريتانيا، وأخذت على عاتقها مسألة التعريب وخصوصا في المؤسسات التعليمية، وكانت البداية بحركة النهضة، ثم بحركة القوميين العرب التي تأسست خليتها الأولى بعد الاتصال باللبنانيين المتواجدين في دكار، والثانية جاءت من مصر بعد انتمائها إلى حركة القوميين العرب هناك، وفي هذه الأثناء تم إنشاء " نقابة المعلمين العرب" التي عكست تذمر المثقف العربي في ذلك الوقت، وكان لحركة القوميين العرب دورا بارزا في قيادتها وتوجيهها كما يقول محمدو الناجي ولد محمد أحمد القيادي في الحركة الوطنية الديمقراطية في المقابلة التي أجرتها معه "الأخبار" بتاريخ : 28/11/2010 (إن الأشخاص الذين كانوا ينتمون إلى حركة القوميين العرب كانت لهم مراكز بارزة في قيادة نقابة المعلمين العرب)، ومع ذلك كان يوجد صراع فكري حول تسمية النقابة وأضاف (كنا نقول نقابة المعلمين العرب، فيما كان البعض الآخر وخصوصا من الذين لديهم تيارات،سواء كانت إسلامية،أو قومية ضيقة يقولون نقابة التعليم العربي).
بعد ذلك تفككت حركة القوميين العرب وانقلب الكثير من قادتها على الخط العربي وحدثت انقسامات عميقة في عناصرها الفاعلة وبقيت القوى القومية التقليدية مثل حزب البعث العربي الاشتراكي بالقطر الموريتاني والتيار الناصري الذي عرف بالتنظيم الوحدوي الناصري بموريتانيا، متمسكين بنفس الأهداف التي من أجلها أنشئت حركة القوميين العرب.
وكانت أولى المعارك التي خاضها القوميون والإسلاميون هي معركة التعريب، وذلك من خلال تنظيم المظاهرات الاحتجاجية والتغلغل، في الأوساط الجماهيرية والكتابة على الجدران، وفتح النقاشات حول الأهداف والمبادئ العامة المتعلقة بنشر الثقافة العربية الإسلامية، والإضرابات العمالية والمدرسية للضغط على الحكومات الموريتانية لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض التعريب، والتخلي عن سياسات التبعية وواجهوا في سبيل ذلك كافة أنواع التعذيب والسجن والمضايقات والتشريد والطرد من العمل أو من الدراسة.
وفضلا عن ذلك قدم الناصريون شهيدين في الإعتقالات الواسعة التي تعرضوا لها سنة 1984، وهما: سيدي محمد لبات، وأحمد ولد محمد محمود.
كما تم اعتقال البعثيين الموريتانيين في سنوات : 1970،1971،1979، 1982، 1985،1987، 1988، 1995، 2003، لذلك وصف أحد الكتاب البعثيين بأنهم :(نبتة ترتوي من الدم الذي يسيله الجلاد على أجسادهم)، وأثناء اعتقالات 1988 تم تسريح وفصل 417 من العسكريين من مختلف الصنوف بتهمة الانتماء (فكرياً) لحزب البعث. أما الحركة الإسلامية فقد تعرضت هي الأخرى للإعتقال والتشريد والمطاردة، خلال سنتي 1994 و2003.
ورغم المضايقات والسجون التي ذكرنا فقد تمكنت هذه الحركات من اختراق المؤسسات التعليمية والتحرك الميداني داخلها وإنشاء الكثير من المنظمات النقابية، والأندية الثقافية، مما مكنها من نشر الوعي القومي وتعبئة الجماهير حول مطالب الشعب الموريتاني الأساسية.

ونتيجة لهذا النضال المستميت الذى رافقه كثير من التضحيات فقد استطاعت الحركات القومية والإسلامية أن تحقق الكثير من أهدافها في موريتانيا ـ على الأقل ـ وذلك على النحو التالي :
1) ترسيم اللغة العربية وإدخالها في منظومة التعليم بشكل جدي.
2) انضمام موريتانيا إلى جامعة الدول العربية، وهو مايعني عودة موريتانيا إلى محيطها العربي.
3) مراجعة الإتفاقيات المبرمة مع فرنسا.
4) إنشاء عملة وطنية.
5) تأميم شركة ميفرما وطردها من البلاد.
6) إقرار دستور جديد ينص على أن الإسلام هو دين الدولة، وأنّه المصدر الوحيد للقانون، وأن اللغة العربية هي لغة رسمية من دون شريك في رسميتها، بعد ذلك الدستور الذي حكم موريتانيا لأزيد من عقدين وكان نسخة طبق الأصل من الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة.
7) فشل كافة الأيدلوجيات والنخب الفرانكفونية التي سعت إلى فرض الثقافات الغريبة على مجتمعنا العربي المسلم.
8) تهيئة الفرص أمام شيوخ وطلاب المحاظر بغية حصولهم على الوظائف المهمة في الدولة، بدلا من وظيفة بواب أوحارس أوفراش أوحامل بريد -إن وجدت-.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق