قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

افتتاحية طليعة لبنان الواحد لشهر تشرين الاول 2014 صرخة الجوع وحقوق المواطنة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
افتتاحية طليعة لبنان الواحد لشهر تشرين الاول 2014
صرخة الجوع وحقوق المواطنة
شبكة البصرة
عندما يتم التطرق إلى الوضع اللبناني، يحتار المرء من أين يبدأ. أيبدأ من الواقع المعيشي، حيث شريحة واسعة تعيش تحت خطر الفقر في مختلف المناطق والطوائف؟ أم يبدأ من الواقع الاجتماعي والاقتصادي، حيث البطالة تضرب أطنابها وتسجل نسبة مرتفعة لانعدام فرص العمل، وما هو متوفر منها لا يلبي المردود منها توفير الحاجات الأساسية، من تعليم وطبابة وسكن، تعلق الأمر بالقطاع الخاص، أم بالقطاع العام الذي تعيش النسبة الأكبر من عامليه ضمن دائرة الاضطراب وعدم الاستقرار بسبب انعدام التوازن بين المداخيل وكلفة المعيشة، ونموذجه الصارخ، طريق الجلجلة الذي تسير على سلسلة الرتب والرواتب؟!
وبعيداً عن هذين الواقعين المرتبطين عضوياً ببعضهما البعض، فإن الواقع الأمني ليس بأفضل حالٍ من المشهد الاجتماعي – الاقتصادي – المعيشي. إذ أن التفلت الأمني على أشده، والمواطن بقدر ما ينوء تحت عبء تهديد أمنه الاجتماعي والاقتصادي، فإنه ينوء أيضاً تحت عبء تهديد أمنه الحياتي. حيث بات المواطن على إطلاقيته مشروع مخطوف مقابل فدية، ومشروع مخطوف مقابل مقايضة، ومشروع مخطوف لإثارةٍ مذهبية وطائفية تصب الزيت على نار موقد الاحتقان السياسي الذي بات مشبعاً بالشحن المذهبي والطائفي من كل الأطراف.
هذا الأمن الحياتي المفقود، بات يشعر المواطن اللبناني أنه لم يعد متظللاً بخيمة أمن وطني تحميه، وكيف تتوفر هذه الخيمة والبلد في حالة انكشاف وطني عام؟ حيث المؤسسة الوطنية التي يفترض فيها أن تكون حامية للأمن الوطني وأمن المواطن هي عرضة للتجاذب السياسي، وأفرادها يتعرضون للخطف والاغتيال وباتت أولوياتها تتركز على حماية نفسها كمؤسسة وحماية أفرادها مما يتعرضون له في مواقعهم وحلهم وترحالهم. وهذا بالطبع ما كان ليصل إلى هذا المستوى من التهديد المتصاعد لأمن المؤسسة وأفرادها، لولا حالة الانكشاف السياسي التي ارتقت في خطورتها حد الانكشاف الوطني، وبالتالي لم تعد هناك مظلة تظللٍ وطنيٍ تحمي البلد من عوارض العواصف السياسية والصواعق الأمنية والتي باتت تتسم بالشمولية، حيث أن الجميع أصبحوا تحت تأثيرها المباشر الناجم عن الوضع المأزوم داخلياً، وتأثيراتها غير المباشرة الناجمة عن الهزات الارتدادية للزلزال الذي يضرب الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه وأكثره تأثيراً الفالق السوري، الذي تنعكس تداعياته، تأثيراً سياسياً وأمنياً، واجتماعياً بعدما بلغ النزوح السوري مستوى لم يعد بإمكان لبنان أن يحمل عبء تثقيله بالنظر إلى إمكاناته وقدراته المحدودة.
وإذا كانت الموضوعية تقتضي القاء بعض من تبعية هذا الواقع القائم على عاتق تأثيرات الخارج باعتبار أن لبنان يقع على خط التقاطع بين الاستراتيجيات الدولية والإقليمية المتقابلة، وهو كان دائماً في موقع المتلقي والمنفعل في الأحداث الدائرة في محيطه، إلا أن القضية الأساسية تقع على عاتق الطغمة الحاكمة التي تقدم نفسها تحت عناوين الموالاة أو المعارضة. فهذه الطغمة المغرقة في فسادها المالي والسياسي، أدى سلوكها العام إلى إفساد الحياة السياسية والاجتماعية، وبات الشذوذ قاعدة في إدارة الشأنين العام والخاص.
ويكفي التوقف قليلاً عند ملف الفضائح الذي يتكشف في كل جنبات المؤسسات العامة، من وزارة الصحة وما تكشف أخيراً من مخالفات، وما كشفته من أعمال نهب وسرقة للمال العام ومتاجرة بصحة المواطن وامتصاص لدمه تقوم بها مستشفيات خاصة، وهي تديرمرفقاً حيوياً بعقل ميليشياوي.
ومن وزارة الصحة إلى وزارة الأشغال، حيث الصفقات المنظورة وغير المنظورة، ومنها إلى المؤسسات التي تعمل تحت وصاية وزارة المال، وخاصة دوائر السجل العقاري التي باتت بمثابة مغارة "علي بابا" وقس على ذلك سائر المؤسسات ذات الصلة بالخدمة العامة وأخرها فضيحة ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية، حيث طغت مقاييس المحاسيب والمحسوبية على مقاييس الكفاءة والاستحقاق الوظيفي وفقاً لأحكام القانون والأنظمة المرعية الإجراء.
إن هذا الواقع المأسوي والمؤلم، الذي يُشخص وتسلط الأضواء عليه، وخاصة على ملفاته الفضائحية، لا تبدو المؤشرات مشجعة لمعالجة جدية له تضع حداً لهذا التدهور والانحدار العام في كل ما له صلة بالشأنيين العام والخاص.
فالكشف عن الفضائح والمخالفات يحصل عندما تتبدل رؤوس الإدارة دون أن يؤدي ذلك إلى تبدل الأحوال فيها، وهذا مرده ان الذين يتناوبون على الإدارة هم من طينة واحدة، وكلهم غارقون في الفساد وإذا ما أثاروا قضية اختلاس أو هدر أو مخالفة، فإما لتوظيف ذلك في "بروبغندا" إعلامية، وأما لاحلال محاسيب وأزلام مكان آخرين وعلى قاعدة الجديد ليس أفضل من القديم، بحيث بات الأمر يبدو وكأن كل فريق يريد أن يبرئ نفسه من دم "يوسف"، وهم كلهم شركاء في قذفه إلى البئر.
هؤلاء الذين يحاضرون في العفة السياسية والإدارية ويشددون على الشفافية هم المسؤولون بنسبة كبيرة عن تردي الوضع السياسي الناجم عن التعطيل والشلل الذي يصيب المؤسسات الدستورية بدءاً من رئاسة الجمهورية وانتهاء بالمجلس النيابي الذي سيمدد لنفسه بحجة الضرورة.
فالشغور في الرئاسة الأولى طوى شهره السادس دون الاتفاق على توفير نصاب سياسي لإنجازها والتي تخرّج عادة بالنصاب العددي، والحكومة التي انتقلت إليها صلاحيات الرئاسة وكالة، ويمارسها مجلس الوزراء مجتمعاً، تقتصر مهامها على تصريف الأعمال وهي محكومة ببدعة دستورية هي اجماع أعضائها على توقيع القوانين والمراسيم والقرارات حتى تأخذ طريقها إلى النفاذ.
فإذا كان البلد يعيش تحت وطأة شغور موقع الرئاسة الأولى، ومجلس الوزراء يصرف الأعمال في الإطار الخدماتي ويتجاوز المسائل الخلافية في السياسية والأمن، ومجلس النواب يمدد لنفسه بحجة أن فريقاً لا يقبل بإجراء انتخابات برلمانية قبل الرئاسية، ولحجة الوضع الأمني المضطرب، فكيف لهذا المجلس أن يشرع خاصة في مواضيع حيوية كالموازنة، وإذا ما شرع فإنه تشريعه ينتابه التخبط كما في تعاطيه مع موضوع الإيجارات وسلسلة الرتب والرواتب؟
إن هذه المشهدية السياسية التي تخيم على الوضع اللبناني جعلت الانكشاف السياسي أمراً بالغ الخطورة، وثمة من يريد استمراره للوصول إلى حالة الفراغ الشامل، وبالتالي فرض وجهة النظر التي تدعو إلى مؤتمر تأسيي بهدف إعادة تركيب السلطة وفق معطيات هذا الانكشاف والتعطيل الذي انعكس انكشافاً أمنياً، كانت المؤسسة الشرعية الأمنية أولى ضحاياه، وأمن المواطن الحياتي والاجتماعي والاقتصادي ثانيها.

من هنا، فإنه ليس المطلوب لمواجهة هذا الوضع المهترئ والمتردي تشخيصاً وحسب و الوقوف على إطلاله، بل يجب العمل لتجاوزه لخلق واقع جديد يعيد الاعتبار لضوابط الحياة السياسية ضمن إطار الانتظام العام، وهذا يقتضي إطلاق موقف بأربعة عناوين:
العنوان الأول: التأكيد بأن وضع حدٍ للانكشاف السياسي، لا يكون إلا بإعادة تفعيل عمل المؤسسات الدستورية وبالأخص ملء الشغور في رئاسة الجمهورية. وإجراء الانتخابات النيابية.

العنوان الثاني: التأكيد أن تبقى المؤسسة الأمنية الشرعية بكل قواها وتفريعاتها خارج التجاذب السياسي، وأن توفر التغطية السياسية لها في تأدية مهامها لحفظ الأمن الوطني وأمن المواطن.

العنوان الثالث: العمل لتحويل قضايا الفساد والإفساد وما يقوم به حيتان المال والسياسة إلى قضية رأي عام شعبي ووطني.

العنوان الرابع: ان يعاد الاعتبار للمؤسسات الرقابية الإدارية والمالية والقضائية، للاشراف على التوظيف، وحسن سير المرفق العام، وبالتالي المحاسبة والمساءلة الفعلية لا الكلامية لمن يثبت انتهاكه لأحكام القانون وخاصة لجهة هدر المال واستشراء الرشوة، والاستهانة بالأمن الحياتي للمواطن.
إن وضع آليات عملية للسير بهذه العناوين وتوفير رافعة سياسية وشعبية لها من شأنه أن يوفر بيئة آمنة للمواطن، وما على الأكثرية الساحقة من المتضررين من هذا الواقع القائم، إلا أن يبادروا لإطلاق صرخة الجوع لاملاء البطون الخاوية، وإطلاق صرخة الانتفاضة ضد هذا الواقع الذي استشرى فساده وانتهك حقوق المواطنة.
إن أهم الثورات، هي ثورات الجياع لإشباع البطون، وثورات الشعوب لانتزاع حقوق المواطنة التي سلبت منهم. إنها الدعوة التي لا سبيل غيرها لانقاذ المواطن من مخاطر تهديد امنه بكل مضامينه وابعاده
الاجتماعية والسياسية والوطنية وعليه يجب التأسيس لعملٍ وطنيٍ شامل انقاذاً للوطن والمواطن.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق