قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الجمعة، 10 أكتوبر، 2014

د. أحمد قايد الصايدي : الطائفية خطر يهدد التعايش الإجتماعي

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الطائفية خطر يهدد التعايش الإجتماعي
شبكة البصرة
د. أحمد قايد الصايدي
غني عن البيان، أن الحروب التي ارتدت طابعاً طائفياً أو عرقياً، كانت وماتزال أبشع الحروب، التي عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل. وتدور اليوم في أرجاء الوطن العربي صراعات وحروب، يراد لها أن تأخذ طابعاً طائفياً، في إطار سيناريو (الفوضى الخلاقة)، الممهدة لرسم خارطة جديدة، تعيد تقسيم الدول العربية الحالية، إلى دويلات أكثر صغراً، ذات طابع طائفي أو عرقي، يجعلها في نزاع دائم فيما بينها وفي حاجة مستمرة للوصاية والرعاية، من قبل مايسمى بالمجتمع الدولي، التي تقوده عادة، أو تنوب عنه، الولايات المتحدة الأمريكية.
والسؤال هنا: هل يمكن أن يتطور الصراع السياسي في اليمن إلى حرب طائفية، يخوضها الأخ ضد أخيه، ليحقق بذلك أهدافاً خارجية، لاتخدم مصالحه؟ لكي يتمكن كل منا أن يجيب على هذا السؤال، لابد أن نتفق أولاً على أن مفهوم الطائفية لايتطابق مع مفهوم المذهبية. فالمذهب الديني هو نهج في التعبد والمعاملات، ينطلق من فهم خاص للنصوص الدينية. والمذاهب، وفق هذا التعريف، موجودة بصورة طبيعية، في كل الأديان وفي كل البلدان. يتعايش أتباعها ويتعاونون ويتجاورون ويتزاوجون. ولا يشعر المرء منهم بالوحشة أو الغربة تجاه جاره أو صديقة أو زوجه، المنتمين إلى مذاهب أخرى. ولكن عندما تُستخدم المذاهب استخداماً سياسياً، وتُشحن بالتعصب للمذهب والكراهية لأتباع المذاهب الأخرى، بهدف إثارة الصراعات، خدمة لمصالح مشبوهة، هنا تتحول المذهبية الدينية الطبيعية المتسامحة المتعايشة، إلى طائفية مقيته، وإلى تعصب أعمى، يهدد التعايش الإجتماعي القائم، ويؤسس للحروب الطائفية، التي لاتبقي ولاتذر.
وقد عرف اليمنيون المذاهب ولم يعرفوا الطائفية. ولعل هذا يرجع إلى طبيعة المذهبين، الزيدي والشافعي، وهما مذهبا الغالبية العظمى من اليمنيين. فهما مذهبان وسطيان، طبعا الحياة الدينية في اليمن بطابعهما العقلاني المعتدل. وموقف الزيدية من المذاهب السنية جميعها موقف منفتح ومتسامح. وتشير الموسوعات الحديثة إلى الزيدية عادة بالعبارة التالية: "أكثر المذاهب الشيعية عقلانية وأقربها إلى السنة". ومازاد من قربه إلى المذاهب السنية، أنه المذهب الشيعي الوحيد، الذي خرق العقيدة السياسية الشيعية، فيما يتعلق بشخص الحاكم، وأجاز أن يُنصِّب المسلمون إماماً لهم لاينتمي إلى النسب الفاطمي، إذا رأوا في ذلك مصلحة للأمة. وبناءً على ذلك، وعلى خلاف المذاهب الشيعية الأخرى، اقروا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان،، وبجلوهم وأكبروا قدرهم وقرنوا الدعاء لهم في المساجد بالدعاء للإمام علي، رضي الله عنهم جميعاً. كما زاد من تقارب فكر الزيدية مع فكر المذاهب السنية، إنكارهم لأهم العقائد الشيعية، فقد أنكروا عقيدة الستر والرجعة. فالإمام لدى الزيدية لايختفي، ليرجع في آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وهي عقيدة لها مايماثلها في الديانتين، اليهودية والمسيحية. وتجسد شوق المظلومين من البشر إلى مخلِّص، يحقق العدل على الأرض ويرفع عنهم الجور والظلم وينتصف لهم من ظالميهم. كما أنكروا عقيدة العصمة، أي الإعتقاد بأن الإمام معصوم من الخطأ. فالإمام عند الزيدية يخطئ ويصيب، مثله مثل كل البشر. وأنكروا مبدأ التقية، أي ممالأة الحاكم الظالم واتقاؤه، بالتظاهر بالولاء له، وعدم الخروج عليه، حتى تتهيأ الظروف ويصبح النجاح مضموناً. وقد استبدلت الزيدية هذه العقيدة بمبدأ الخروج على الحاكم الظالم، والعمل على إسقاطه. فالإمام عندهم ملزم بالخروج على الحاكم الظالم دون انتظار الظروف المواتية.
وحتى المذهب الإسماعيلي، وهو الفرع الثاني من الشيعة الإمامية، تطبَّع بالطبيعة اليمنية المعتدلة، وأقام أتباعه واحدة من أهم وأكبر الدول اليمنية (الدولة الصليحية). وكانت دولة حققت التعايش الإجتماعي والديني وكرست جهدها للعمران والإهتمام بالعلم ورصف الطرقات ووقف الوقفيات الخيرية، التي يستفيد منها الجميع، فتميزت بذلك على الدول اليمنية الأخرى، التي نشأت في العصر الإسلامي. وماتزال بعض الآثار، الدالة على إنجازات الدولة الصليحية، ماثلة حتى اليوم، في بقايا الطرقات المرصوفة وفي الوقفيات، المسماة في بعض المناطق (صلبة السيدة)، وهي أراضي أوقفتها السيدة، لتكون مراعي مشاعة للجميع. أما السيدة المقصودة هنا، فهي السيدة بنت أحمد، المعروفة بالملكة أروى بنت أحمد الصليحي.
هذا الواقع الديني في اليمن كان موضع إعجاب، يبلغ حد الإندهاش، لدى الرحالة الأوربيين، الذين قدموا إلى اليمن ودرسوا أحواله الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والجغرافية. وأبرزهم الألماني كارستن نيبور، الذي زار اليمن عام 1763م، أي قبل مايزيد على مائتين وخمسين عاماً، ضمن البعثة الدينماركية، المشهورة. فقد لاحظ أن اليمنيين يمارسون تدينهم بتلقائية، ودون تزمت أو تصنع. وأن تسامحهم الديني وعدم تزمتهم، عكس نفسه في سلوكهم تجاه الفرق الدينية الإسلامية المختلفة وتجاه الأديان الأخرى. وسجل نيبور انطباعه عن تسامح اليمنيين الديني، عبر مقارنات عديدة. فعلاقة الشيعة بالسنة في كل من إيران وتركيا، تختلف عما هي عليه في اليمن، فهناك، مثلاً، لايصلي أتباع المذهب في مساجد المذهب الآخر. أما اليمنيون فيصلون معاً في المسجد نفسه، وليس لاختلاف مذاهبهم أي تأثير على علاقاتهم وتعايشهم.(أنظر: الصايدي، المادة التاريخية في كتابات نيبور عن اليمن، دار الفكر، بيروت،1990م، ص 73 ـ 74، 191، 208. وكذا: اليمن في عيون الرحالة الأجانب، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 2011م، ص92 ـ 93).
وإذا ماعدنا إلى السؤال المطروح، حول احتمالات نشوب حرب طائفية في اليمن، فإننا سنجد صعوبة في الإجابة عليه. فرغم أن الطائفية، بالمعنى الذي أوضحناه غريبة عن المجتمع اليمني، مما يجعل الحرب الطائفية مستبعدة، إلا أننا لانستطيع أن نقدر مايمكن أن يفعله العامل الخارجي، في زمن تضاعف فيه دوره، في ظل الغفلة التي نعيشها والوسائل التي يمتلكها، وأصبح قادراً على تحريك وتنشيط العوامل الداخلية، وتوجيهها الوجهة التي لاتخدم اليمنيين، بل تخدم مصالح القوى الخارجية. وفي واقع كهذا، يتوقف تحاشي الحرب الطائفية، على وعي اليمنيين وإدراكهم للمخاطر المحيطة بهم وببلدهم، والمخططات المستهدفة أمنهم واستقرارهم وتعايشهم وتطورهم. كما تتوقف على انتباههم إلى الأصوات المشبوهة، التي تتصاعد من أوساطهم، لتنفخ في نار الفتنة وتؤجج المشاعر، وتبث الكراهية، بين مكوناتهم الإجتماعية. فهي أصوات سيخرسها الوعي وتطفئ سعارها محبة الناس، بعضهم لبعض، وشعورهم بالإنتماء إلى شعب واحد ودين واحد ومستقبل واحد، وتوجههم جميعاً إلى بناء دولتهم المدنية القوية العادلة، الكافلة لأمن الجميع والساهرة على سلامة ورفاه وتقدم اليمنيين، دون تمييز أو تفضيل.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق