قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأربعاء، 18 يونيو، 2014

نبيل الزعبي : زيارة البطريرك الراعي لفلسطين المحتلة بين مساوئ "تطييف" السياسة ومخاطر تسييس الدين

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
زيارة البطريرك الراعي لفلسطين المحتلة
بين مساوئ "تطييف" السياسة ومخاطر تسييس الدين
شبكة البصرة
نبيل الزعبي
أخذت زيارة بطريرك انطاكية وسائر المشرق مار بطرس بشارة الراعي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة أواخر شهر أيار الماضي، حيّزاً واسعاً من الجدال السياسي حول طبيعة هذه الزيارة وما آلت إليه من نتائج، خاصة في ساعاتها الأخيرة، بين مؤيد ومعارض وبين من التزم الصمت المطبق تاركاً لغيره من جمعيات وهيئات التعبير بالشكل الذي لا يقطع "حبل الود" مع الزائر الكبير نظراً لاعتبارات سياسية معينة، في حين تسلح بعض المؤيدين للزيارة داخل فلسطين المحتلة بعبارة منسوبة للمناضل الفلسطيني الراحل فيصل الحسيني والتي يفيد فيها بأن "زيارة السجين لا تعني التطبيع مع السجان".
وأمام هذا التنوع والتعدد في المواقف ووجهات النظر، كان البطريرك الراعي قد استبق الرد على الجميع بإعلانه أن الزيارة لا تعدو أن تكون رعوية وحسب، حيث أنه ومن موقعه الديني ومرجعيته الروحية، ينبغي عليه أن يكون في عداد مستقبلي قداسة البابا فرانسيس في زيارته لأراضي فلسطين المحتلة وفي السلطة، وبالتالي فإن الأمور كما رأى، لا تستحق كل ذاك العناء من التفسير والاجتهادات، مؤكداً على تشبثه بمواقفه ليجزم بالقول: من لا تعجبه مواقفي، ليس عليه أن يزورني، متجاوزاً في ذلك حقيقة موقعه الآخر كمرجعية وطنية أيضاً يتطلب منه التحسب لكل "دعسة ناقصة" قد تحسب على الحالة الوطنية والسياسية العامة داخلياً والمأزومة أساساً، فتزيدها تعقيداً بينما كان بالإمكان تلافي ذلك لأكثر من سبب وسبب.
غير أنه وفي الأيام الأخيرة للزيارة، طرأ من التطورات، ما فتح الجدال الصاخب على مصراعيه، بعد اللقاء الراعوي الذي جمع غبطته باللبنانيين الهاربين إلى الكيان الصهيوني والمعروفين بالعملاء اللحديين، فيخطب فيهم متناولاً قضيتهم بأسلوب "إنساني" غلبت عليه "العاطفة" ليتجاوز ذلك بكلام سياسي يؤكد على "أحقية" هؤلاء بالمواطنة اللبنانية وما "فعلوه" لا يقارن بما يفعله آخرون داخل الساحة السياسية اللبنانية من تعطيل للمؤسسات، معترضاً على تسمية هؤلاء بالخونة والعملاء،
وإذا كانت ردود فعل أولئك المرتزقة من الميليشيات التي فضلت البقاء داخل الكيان الغاصب المحتل كوطن جديد لهم بديلاً عن الوطن الأم، قد سببت إحراجاً لموقف الزائر المتحمس لعودتهم إلى لبنان وتسوية أوضاعهم القانونية، وكان من المفترض بالتالي، دراسة جدوى اللقاء معهم أو عدمه، وإذا كان من ضرورة ماسة لذلك، فإن اعتماد نظام المؤتمرات للتواصل عن بعد، كان أنسب وأجدى،
غير أن ما شهدته الساحة الداخلية اللبنانية من ردود فعل أخرى حول ما جرى، لم تشذ بدورها عن طبيعة الصراع السياسي الدائر بين قوى 8 و14 آذار لترى كل فئة إيجابيات ومساوئ الزيارة من موقع اختلافها مع الآخر، على طريقة من ليس معي في خطي السياسي فهو ضدي، وما يمكن أن يحرج حليفي داخل بيئته السياسية الجغرافية، يفرض علي انتقاء ما يلزم من عبارات ومفردات لغوية، لا تحرج الحليف بالقدر الذي لا تحرجني أمام جمهوري أيضاً خاصة فيما يتعلق بثوابتي ومبادئي، وهذا النمط من التعاطي غير المنطقي مع الزيارة، يعيد بالذاكرة إلى الحملة الشرسة التي قادها البعض مدفوعاً بأسباب سياسية بحتة، ضد البطريرك الراعي شخصياً لدى زيارته الراعوية إلى سوريا، في حين أن المقارنة بين الزيارتين ظالمة، مهما كان الموقف من النظام السوري.
وفي كلا الحالتين ومع بذل الجهود الضمنية من أجل تبريد ما حصل، فإن الأطراف المؤيدة والمنتقدة مجتمعة، تناست أو تجاهلت أمراً أساسياً يتعلق بأوضاع العملاء اللحديين منذ لجوئهم إلى الكيان الغاصب، حيث تخطت جرائمهم خيانة بلدهم الأم وقتل بنيه لتتمدد فيما بعد للالتحاق بقوات الاحتلال الأميركي التي غزت العراق عام 2003 حيث عملت كمرتزقة معهم في السنوات الأولى للاحتلال بعدما تم نقلهم من الكيان الغاصب إلى العراق عن طريق الشمال العراقي.
ومع ذلك تعود الاستنسابية" لتفعل فعلها داخل الساحة اللبنانية ويجري التعاطي في مثل ما تقدم، كاختلافات ليس إلا في وجهات النظر، في أبشع ما يمارس على أرض هذا البلد من تسييس غير مسبوق للدين، و"تطييف" غير مشروع للسياسة، حيث أن الأمور لم تقتصر على طائفة دون سواها، وهذا ما سبق لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني ان عبر عنه في إحدى المناسبات الدينية بتاريخ 24/1/2013 مؤكداً أن "نظام الحكم في لبنان هو نظام الديكتاتورية المركبة باسم الطوائف، ففي كل طائفة ديكتاتورية أو اثنتين تحتكر صوت جميع أبنائها.
ويضيف أن كل من 8 و14 آذار تستفيد اليوم من بعضهما في تكوين النظام الديكتاتوري المركب الذي "يولد الصراع الدائم بين المتناقضات، ولا يؤدي بنظامنا اللبناني إلى التطور والتقدم" (موقع ليبانون فايلز).
وبقدر ما تحمل تلك التصريحات من تشخيص لواقع الحال، فإنها بدورها لا تخلو من معاناة شخصية تكبدها سماحة المفتي شخصياً وما زالت مفاعيلها تتراكم حتى اليوم مع تحول المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إلى مجلسين بعد أن انفض عنه من السياسيين من كانوا بالأمس يناصرونه ويحسبونه عليهم ويوزعون صوره ويلصقونها على جدران بيروت وطرابلس وصيدا وغيرها وكأنه زعيماً سياسياً لا مرجعية روحية، ثم تخلو عنه فجأة نظراً لمواقف معينة اتخذها سماحته يوم تكليف الرئيس ميقاتي بتشكيل الحكومة واعتبر خصومه موقف المفتي مناوئاً لمواقفهم، الأمر الذي استعملت فيه مختلف وسائل الحرب الإعلامية ضده لدرجة دعوة المؤمنين إلى مقاطعة أي صلاة يؤمها سماحته (جريدة النهار 15/3/2012) وتصريح أحدهم برسالة مفتوحة إليه، يدعوه إلى عدم مغادرة مواقعه السياسية كشرط أساسي لعودة الاعتراف بشرعيته (جريدة اللواء 13/3/2012) هذا، فضلاً عن فتح ملفات مالية وعقارية له ولأسرته ونشر غسيل على السطوح وتعديات شخصية لم توفر جميعها المقام، مفضلة المصالح السياسية الجهوية على أي اعتبارات أخرى.
ويدرك البطريرك الراعي أنه تعرض شخصياً أيضاً لنفس السيناريو الذي ينال من المفتي قباني اليوم، وذلك في العام 2011 مع بدايات الثورة السورية حين كانت للبطريرك مواقف وتصريحات سياسية أدلى بها من باريس حول وضع الأقليات المسيحية في المشرق العربي، الأمر الذي آثار حفيظة بعض أقطاب الفريق السياسي الذي كان يتلطى تحت عباءة بكركي وانبرى هؤلاء لتوجيه أقذع الانتقادات لسيد الصرح البطريركي حيث اعتبر البعض أن مواقف البطريرك آنذاك تعد (انقلاباً موصوفاً على مسيرة بكركي التاريخية وعلى مجلس المطارنة الموارنة) وجاء في رد آخر (ان البطريرك يعرف في الدين أكثر منا، ولكن في السياسة نحن نعرف أكثر منه، أما ما قاله فإنه لا يعبر عن رأينا).
كما يدرك غبطته أنه قد يكون أفضل حظاً من سلفه البطريرك صفير، الذي لم يتوان بعض من كان يحتمي في ظل عباءته أيضاً أن يهاجم مقر البطريركية ويكسَّر صوره فيها عندما تعارضت مواقفه مع توجهاتهم السياسية.
إنه، ومع التمسك بالموقف المبدئي الرافض لزيارة البطريرك الراعي للأراضي الفلسطينية المحتلة والتي كان يجب أن لا تخرج عن الإجماع الوطني العام داخلياً على الأقل، فإنه من الواجب الوطني التأكيد على أن خطورة تطييف ومذهبة الفعل السياسي في لبنان وما يقابله من تسييس لدور رجل الدين كذلك، لم تعد تتطلب تشخيصاً للواقع المأساوي الذي يلف المجتمع اللبناني اليوم بمختلف مناطقة وتلاوينه السياسية والطائفية وحسب بل صار من المصالح الوطنية العليا، العمل الحثيث لتكريس الحدود والضوابط الأدبية والأخلاقية لترك ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، وان ترك الأمور على غاربها واستمرار الانقسام السياسي العامودي الحاصل، سوف يكرس مرجعيات طائفية مذهبية على الدوام في ظل تغييب المرجعيات الوطنية وإضعاف رجال الدين بالذات حيث سيتحول المنكر في شحن النفوس وتعبئتها، وسيلة الجذب الأساسية لاستقطاب المريدين، في حين أن مرضاه الله والضمير والوطن ومستقبل الناس، تبقى أكبر من الأفراد والزعامات والمصالح الخاصة، مهما أضيف إلى حجم هؤلاء من ورم وزيف، ومقامرة بحقوق البلاد والعباد.
في 17/6/2014
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق