قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الجمعة، 27 يونيو، 2014

د. أحمد قايد الصايدي : هناك غربٌ وغربْ

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هناك غربٌ وغربْ
شبكة البصرة
د. أحمد قايد الصايدي
عندما نتحدث عن الغرب، ونشير إلى عدوانه الدائم على بلداننا، فإنما نقصد الغرب الإستعماري، المتمثل بالمصالح الإقتصادية الكبرى والحكومات، التي تخدم تلك المصالح وتسعى إلى بسط هيمنتها على بلدان العالم، لاسيما العالم الضعيف،المنكسر الإرادة، المليئ بالثروات، التي هي موضع اهتمام الغرب الإستعماري ومحور نشاطاته ومخططاته. أما الغرب الآخر، المتمثل بالشعوب ونخبه المثقفة، التي لم تفقد أحاسيسها الإنسانية، وغالباً ماتشاركنا همومنا وتقدر معاناتنا، وتقف ضد سياسات حكوماتها الظالمة، أما هذا الغرب فقلما ننتبه إليه، أو نتحدث عنه.
وفي هذا السياق، أود أن أشرك القارئ معي في قراءة فقرة من رسالة وصلتني من صديق غربي، ليتبين الفرق بين غرب وغرب، ويدرك أن الإستغلال والإستبداد والسلوك الوحشي، الذي اتسمت به مسيرة الإستعمار الغربي، مكروه من قبل الغرب الآخر، كما هو مكروه من قبلنا. مع فارق واضح، وهو أننا نحن عانينا ونعاني من الإستعمار الغربي بصورة مباشرة، وواجهناه بالصدام أحياناً وبالخنوع أحياناً أخرى. في حين أن الغرب الآخر يعاني من الإستعمار أخلاقياً، ويشعر بأزمة ضمير من جراء انتمائه معه إلى حضارة واحدة، ويواجهه بالفكر وبالمواقف الإنسانية المعلنة. إنه غرب يفهمنا ويتفاعل معنا. وعلينا نحن أن نفهمه ونتفاعل معه، كسبيل من سبل المقاومة لوحشية الغرب المستعمر وجشعه. يقول الصديق في رسالته:
"الأحوال عندنا طيبة، ولكننا، مع الأسف، لانتحمل نصيبنا من المعاناة، التي يتحملها جيراننا. إننا نتصرف كما لو كان العالم كله يعيش في أمن وسلام. ولكن في الحقيقة أن الكوارث تجتاح العالم وتحطم كل مقومات الحياة الطبيعية للبشر. إن صور التهجير والتشريد والإضطهاد والقتل والغدر، تعذبني ولاتغادر مخيلتي. هل يمكنكم في اليمن أن تعيشوا حياتكم اليومية وتتحركوا بصورة طبيعية؟".
هكذا تنتهي هذه الفقرة القصيرة بسؤال مهم، على الأقل بالنسبة للصديق، الذي يعيش بعيداً عن حياتنا ومعاناتنا. ولعل من يطمحون إلى أن ينصِّبوا أنفسهم أمراءً للحرب، في اليمن، وصناعاً للأزمات، لعلهم يستطيعون أن يساعدوا في إعطاء إجابة معقولة لصديقي هذا وأمثاله، الذين تشغل عقولهم أحوال العالم المضطرب، بما في ذلك أحوال أصدقائهم اليمنيين.
إن الصورة الملتقطة من هذه الرسالة، تعبر عن موقف الغرب الصديق، وتتيح لنا فرصة المقارنة، بين هذا الموقف وبين موقف الغرب العدو، الذي عبر عنه التصريح الشهير، لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مادلين أولبرايت)، وهي مقارنة ستزيدنا معرفة بطبيعة الغرب الإستعماري ووحشية سلوكه وتفكيره. فقد تناقلت وسائل الإعلام تصريحاً للوزيرة، عندما كان العراق محاصراً، ويموت أطفاله يومياً، إما نتيجة للجوع وسوء التغذية، أو قتلاً بقذائف الطائرات الأمريكية، أو بفعل أمراض السرطانات المنتشرة، التي خلفها استخدام الغزاة للإسلحة المحرمة دولياً. ولم يهز ذلك الواقع المؤلم مشاعر الأمومة، لدى الوزيرة، بل كان رأيها أن قتل مليون ونصف مليون طفل عراقي (كان هذا هو رقم الضحايا من أطفال العراق في عهد الوزيرة، ومن الطبيعي أن يتضاعف بعد ذلك، لاسيما منذ غزو أمريكا وحلفائها للعراق عام 2003م) هو ثمن معقول لإسقاط صدام حسين.
إنه تصريح نفهم منه أمرين، على الأقل. أولهما: إستعداد الإدارة الإستعمارية للتضحية بأطفال العراق، دون تمييز، بين شيعتهم وسنتهم ومسيحييهم وصابئتهم، عربهم وكردهم وأرمنهم. وثانيهما: أنه ما دام الأطفال، الذين يقتلون، ليسوا أطفالاً أمريكيين، فلا بأس من أن تزهق أرواح الملايين منهم، من أجل إسقاط صدام حسين والمضي نحو مشروع تقسيم العراق، كمرحلة أولى في عملية رسم الخارطة الجديدة للشرق الأوسط الجديد، التي افتتن بها الساسة الأستعماريون، بعد أن توصلوا، عبر مايقارب قرناً من الزمن، إلى قناعة، بأن اتفاقية سايكس _ بيكو، لم تعد كافية لتمزيق الشعب العربي وتشتيت قدراته.
ترى لو أن طفلاً أمريكيياً واحداً قتل، هل كانت الوزيرة الأمريكية ستستهتر بروحه، كما استهترت بأرواح مليون ونصف المليون من أطفال العراق؟ وهل يكفي تذكُّر تصريح كهذا، لتنبيه الغافلين في العراق، ليستيقظوا ويدركوا أن الخطر يهددهم جميعاً، وأن إثارة الفرقة بينهم ودفعهم إلى رفع السلاح، بعضهم في وجه بعضهم الآخر، هو جزء من المخطط الإستعماري، وهو ثمن مقبول أيضاً لدى أولبرايت وأضرابها، من أجل تقسيم العراق إلى دويلات طائفيه وعرقية، ينازع بعضها بعضاً، ويقتل العراقي في ظلها أخاه العراقي، لينتصر بذلك الغرب العدو؟ أما الغرب الصديق، فإنه يشفق على بؤساء العرب المتقاتلين، في سبيل مصالح ليست مصالحهم. ولكنه إشفاق الطيبين، الذين لايستطيعون أن يغيروا من واقع الأمر شيئاً، إذا لم نغير نحن ما بأنفسنا أولاً، ثم نغير واقعنا البائس، بأيدينا المتماسكة وجهودنا المتضافرة.
لقد تكفل بعض العراقيين في إتمام مهمة أولبرايت وأمثالها ومهمة وحداتهم العسكرية وشبكاتهم الأمنية. والجرح هنا أكثر إيلاماً. فأن يُقتل الإنسان العراقي وتمزق أوصال العراق بأيدٍ أجنبية غازية، أمر يمكن تبيُّن أسبابه، ويمكن فهمه. أما أن يتم القتل والتمزيق بأيدي العراقيين أنفسهم، فهو أمر تحار أمامه عقولنا وتعتصر له قلوبنا.
أتساءل: ماذا يريد العراقيون، سنة وشيعة ومسيحيين وصابئة، عرباً وأكراداً وأرمناً، ماذا يريد كل مكون منهم؟ ألم يكونوا من قبل أخوة وجيراناً وأنساباً، متداخلين، متعايشين؟ في ذلك الزمان لم يكن الزائر للعراق يلحظ فروقاً أو تمايزاً أو تبايناً، في الشارع أو في المدرسة أو في الجامعة أو في مرافق العمل المدنية والعسكرية والأمنية، أو في المنتديات والملاعب والحدائق والمنتزهات. أطفالهم يلعبون معاً ويعقدون صداقات مع بعضهم، قد تمتد طوال العمر، وتخلَّف للأبناء والأحفاد من بعدهم، قبل أن يصبحوا هدفاً للقتل من قبل حكومة أولبرايت، ليكون قتلهم ثمناً معقولاً، لإسقاط النظام الحاكم وتقسيم العراق، إلى طوائف وأعراق. أليس في العراق من الخير مايكفي العراقيين جميعهم، إذا حافظوا على الخير في دواخلهم، وتعاملوا كما كانوا يتعاملون، قبل أن تحيق بهم لعنة الأعداء ومكائدهم؟
لك الله ياعراق، فقد شهدت من المحن، خلال عقد واحد من الزمن، مالم يشهده غيرك في قرون ممتدة. ولم يعد يجديك إن صرخ طفل من أطفالك أوامرأة من حرائرك: "وامعتصماه"، فليس بيننا اليوم، نحن العرب، معتصم ولاعاصم. وإذا كان هناك غرب وغرب، فإن واقع الحال لدينا لايدل على وجود عرب وعرب. فقد كدنا أن نصبح جميعنا صنفاً واحداً، نحاصر المقاومين، الذين يمثلون النبض الوحيد الحي في هذه الأمة، نحاصرهم إما بالفعل، الذي يُرضي الغرب الإستعماري ويحيِّر الغرب الصديق، وإما بالصمت، والصمت في ثقافتنا من ذهب، كما هو معروف. هكذا نحن ياعراق. وليس أمامك، والحال هذه، سوى طريق واحد، يمكنك إذا ماسرت فيه أن تنقذ وجودك وتنقذنا معك، وهو طريق الوحدة، وحدة رجالك ونسائك وأطفالك، أمام العدو الواحد، متعدد الوجوه والألوان، متكامل الوظائف والأدوار. عندها سيخفق الغرب الإستعماري في تحقيق أهدافه اللا إنسانية، وسيتخفف الغرب الصديق من أزمته الأخلاقية.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق