قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الاثنين، 9 يونيو، 2014

د. عمران الكبيسي : هل ربح جنوب السودان بالانفصال أم تفاقمت مشكلاته؟

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هل ربح جنوب السودان بالانفصال أم تفاقمت مشكلاته؟
شبكة البصرة
د. عمران الكبيسي
انفصلت جمهورية جنوب السودان عن دولة السودان الأم بعد صراع مسلح وحرب أهلية بين الجنوبيين والشماليين دامت نحو نصف قرن، وبسبب ضعف الموقف العربي اتفق السودانيون عام 2005 على استفتاء شعبي لسكان الجنوب يقرر مصيرهم أجري 2011، اكتسح فيه دعاة الانفصال الصناديق بنسبة 98 %، فأعلنت دولة جنوب السودان نيل كامل استقلالها وسيادتها بين دول وسط إفريقيا، وتشكلت حكومة اتخذت من مدينة جوبا أكبر مدنها عاصمة لها، وأصبحت كتائب المتمردين جيشا رسميا، واعترف بها دوليا.
تزيد مساحة جنوب السودان عن 600 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، 70 % منهم مسيحيون، و15 % مسلمون، و15 % وثنيين لا دين لهم وخليط ديانات أخرى إفريقية، ويدين الرئيس المنتخب سيلفا كير بالمسيحية الكاثوليكية، وإن أكد أن دولة جنوب السودان دولة تحترم حرية الاعتقاد، لكن الدولة الوليدة لا تمتلك مقومات الدولة الناهضة لغياب البنية التحتية وتدهورها، وضعف الاقتصاد، واعتمادها على المساعدات الإنسانية الدولية ومعونات الأمم المتحدة، رغم أن 80 % من نفط السودان الموحد نصيب الجنوبيين، وأن بلادهم غنية بالموارد الطبيعية، فهل نال الجنوبيون ما كانوا يصبون إليه ويعلن على ألسنتهم من طموح الاستقرار والرفاهية بعد الانفصال، وحكموا أنفسهم بأنفسهم في دولتهم الفتية؟

الواقع لم تمض سنة على استقلال الجنوبيين حتى بدأت الاختلافات والصراعات العرقية والقبلية والدينية واللغوية تنخر صفوفهم، وتضرب أطنابها بينهم، وبسرعة انفرط حبل التآلف وبدأوا ينزلقون نحو الاحتكام إلى السلاح، لتقسيم المقسم إلى ثلاث أقسام متصارعة: دولة لسلفا كير المتحصن بـ “الشرعية” الانتخابية، ودولة لباقان القيادة التاريخية للحركة، ودولة قبلية لرياك مشار، وربما دولة رابعة للقبائل الاستوائية، وسقط في الصراع آلاف القتلى يقدرون بأضعاف ضحايا القتال مع الشماليين، وتجاوز عدد المهجرين المليون، وأصبح الجنوب الفقير أشد فقرا وضنكا وحال البلد أكثر سوءا، ولو بقي الجنوبيون ضمن السودان الموحد لكان أفضل للشمال والجنوب.
المشكلة لم تكن باستغلال الشماليين للجنوبيين واضطهادهم، وإنما في التدخلات الخارجية وفي طبيعة بنية الجنوبيين الاجتماعية باختلافاتهم العديدة قبائل، ولغات، وأديان، وطقوس وتركة سنين من الاستعمار يضرب على وتر الفرقة والاختلاف، فأوجد ثقافة التنازع الإثني، فإن لم تجد الطوائف من تتصارع معه تتصارع فيما بينها، ولا نخلي طرف الحكومات العسكرية المتعاقبة على السودان من الضعف والفساد وقصر النظر، ولكن الواقع يفرض نفسه تاريخيا.
تاريخ السودان أبان الحكم التركي لمصر 1885م عمق هوة الكراهية بين السودانيين، حيث استغل الأوروبيون الشمال سبيلا لتجارة الرقيق ونقلهم إلى الغرب فتحمل الشماليون وزرها، واستثمرت البعثات الكنسية الكاثوليكية والبروتستانتية التبشيرية فترة الاستعمار الانجليزي 1899 لتنشط بسرعة في مجال التنصير بتقديم التعليم والمعونات المادية، وتنمية الخلاقات الدينية، فأغلبية الشماليين عرب مسلمون، بينما الجنوبيون خليط من القبائل والأديان، ووظف الاستعمار البريطاني التباينات العرقية واللغوية والدينية لترسيخ الكراهية والفوارق الثقافية والاجتماعية بين الشطرين بما فيها تعزيز نظرة الشماليين للجنوبيين بأنهم لا يصلحون إلا للرق والعبودية. وما كادت تستقل السودان عن مصر بعد جلاء القوات البريطانية حتى طالب الجنوبيون بالانفصال فأعاق موقفهم كل إصلاح، فأساسيات الخلاف بذر غرسها المستعمرون وليس العرب ولا المسلمون.
قوبلت طلبات الجنوبيين بالفدرالية تارة وبالانفصال أخرى بالرفض والتجاهل أو القبول الحذر، فلم يكن السودانيون يملكون زمام أمورهم، وبفعل تدخل دول الجوار كينيا وأثيوبيا وإسرائيل ظهرت حركة أنانيا المسلحة عام 1963، ولم تسفر الموائد المستديرة والمؤتمرات والتسويات والاتفاقيات عن حل جذري في عهد جعفر النميري، بل انشق العقيد جون قرنغ بكتيبة وانضم إلى الانفصاليين المتمردين عوضا عن مكافحتهم، وعد مؤسس جناح الحركة الشعبية لتحرير السودان العسكرية و”تأسيس سودان علماني جديد” وألقت الطائرات الإسرائيلية بكل الأسلحة العربية التي غنمتها من حرب الأيام الستة حزيران 1967 للجنوبيين لتعزز موقفهم العسكري، وبعد تولي البشير الحكم كثرت الانشقاقات والمطالبات بالانفصال هنا وهناك لسياسته الخرقاء، وتحت ضغوط الجهود الدولية من خلال منظمة الإيغاد وقع بروتوكول ماشاكوس 2005 واتفاقية السلام الشامل في نيفاشا التي ضمنت حق الاستفتاء لتقرير المصير في يناير2011 بدعم الكونغرس الأميركي وضغوطه على شركات النفط الكندية والأوروبية للانسحاب من المشروع أو تجميد عائدات النفط حتى تكتمل عملية السلام بدعوى توظيف الحكومة السودانية الأموال في تسليح الجيش وتأجيج نار الحرب وهذه حقيقة الأمر، فمن لم يخطط لنفسه خطط له الآخرون بالفشل.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق