قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 22 نوفمبر، 2015

أنيس الهمامي : مخاض ولادة أمتنا وركائز إنقاذها

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مخاض ولادة أمتنا وركائز إنقاذها
شبكة البصرة
أنيس الهمامي
ساءت أحوال الأمّة العربيّة منذ غزو العراق سنة 2003 وما تولّد عنه من مأساة حقيقيّة غير مسبوقة في تاريخ البشريّة كلّها، وتقهقرت وعمّت مظاهر التّردّي مختلف جوانب الحياة اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة وقانونيّة ونفسيّة..
لم يكن غزو العراق حدثا عابرا ولا هيّنا، ولا يجب في الحقيقة أن يركن الضّمير العربيّ للتّسليم بهذه الدّسائس التي أطنبت الدّوائر الامبرياليّة في إغراق العرب فيها.. بل إنّ على العرب أن يعوا أنّ تدمير العراق كان في جوهره تتويج لسعي امبرياليّ صهيونيّ وبتذيّل صفويّ عزم على قصم ظهر الأمّة العربيّة ومن ثمّة إنهائها وتشتيتها وشرذمتها..
ونظرا للفشل المدوّي الذي رافق برامج الأمريكان وحلفائهم رغم حجم النّيران الخياليّة التي وجّهوها صوب العراق ولصدور شعبه الأعزل المظلوم حيث تكسّرت أحلامهم على ظهر المقاومة العراقيّة الباسلة وملاحم جيش العراق البطل وهبّة جماهيره، استشعر دهاقنة مهندسي السّياسات الخارجيّة في الغرب خطر التّسليم بعجزهم عن الفلاح في تحقيق هدفهم وسارعوا بالتّالي لمزيد خلط أوراق الأمّة العربيّة وتعقيد وضعها فكانت الحروب بالوكالة طرحا بديلا عن التّدخّل العسكريّ المباشر وتوسّلوا في ذلك بقطعان من المرتزقة الدّمويّين من كلّ أصقاع الدّنيا وأذكوا نيران الصّراعات المذهبيّة والتّشاحن الطّائفيّ، وغدت الأرض العربيّة مسرحا للحروب والاقتتال والتّدمير ومثّل ما سمّي زورا بالرّبيع العربيّ
أوج تلك المخطّطات الخبيثة فدٌمّرت ليبيا وضٌربت كلّ مقوّمات الدّولة فيها وعاثت فيها ميليشيّات التّقتيل والإرهاب فسادا، ومٌزّقت سوريّة كلّ ممزّق ولا يختلف اليمن عنهما كثيرا بعد عبث مرتزقة ولاية الفقيه بأوجه الحياة فيه كما لم تسلم كلّ من تونس ومصر من تداعيات الفوضى الخلاّقة تلك، واهتزّ الخليج بفعلها أيضا.
قد تبدو هذه الصّورة للوهلة الأولى شديدة القتامة، وقد تنذر أنهار الدّماء المراقة بفناء الأمّة العربيّة واضمحلالها.. ولعلّ الفواجع الصّادمة والصّاعقة وهي تتلاحق على مدار السّاعة في أرض العرب تنبئ باستحالة نهوض هذه الأمّة مجدّدا، لا بل قد يستبدّ اليأس بالمواطن العربيّ فيكفر بالحياة وينقطع رجاؤه في التّغيير..
إلاّ أنّه من الأهمّية بمكان هنا التّنبّه إلى أنّ هذا المخاض الذي تعيشه الأمّة العربيّة ومهما بدا عسيرا وأليما وموجعا فإنّه سيشكّل لبنة محوريّة وشرطا ضروريّا للانطلاق من جديد لتكون أمّة العرب طائر الفينيق الذي يبعث من رماده كلّما اشتدّت حرائقه..
كيف يسقط من المراقبين أنّ هذا الصّمود الأسطوريّ لجماهير الأمّة العربيّة في الأحواز العربيّة والعراق وسوريّة وفلسطين واليمن ولبنان والبحرين وتلاحم الكفاح المسلّح في هذه الأقطار مع الفعل النّضاليّ الجماهيريّ السّلميّ في مصر وتونس والسّودان إنّما هو بصمة أمّة عصيّة عن السّقوط بفضل موروثها الحضاريّ الفريد ومخزونها الفكريّ ورصيدها الإيمانيّ الهائل؟؟
بل كيف يجوز التّطرّق لسبيل إفناء أمّة بهذا المراس الصّلب الصّعب العنيد؟؟ فأمّة تواجه مختلف أنواع البطش التّتريّ والإرهاب البربريّ بإيمان لا يتزحزح بأنّ نصرها آت لا ريب، وأمّة تثبت حرائرها وشيبها وأطفالها بوجه كلّ حمم الموت الحاقد، وجماهير أخفقت كلّ ابتكارات مصانع الأسلحة الفتّاكة في النّيل من عزائمها طيلة عقد ونصف من القصف المركّز هي أمّة تسمو على جراحاتها وتتحامل على معاناتها مدفوعة بثقتها في إمكانيّاتها وإن لم تدركها وعيا كاملا..
أليست صور بعض شيوخ العرب وهم يحملون بنادق صيد تعود لما قبل عشرينات القرن الماضي ويوجّهونها صوب الطّائرات العملاقة والنّفّاثة دليل على أنّ ما تعيشه الأمّة من مخاض غزرت دماؤه ليس إلاّ من صميم تشبّثها بالحياة وتصميمها على انتزاع حقّها في الكرامة والتّحرّر الوطنيّ والقوميّ بما يسمح لها بممارسة دورها الإنسانيّ الرّيادّي في الكون؟؟
يغصّ التّأريخ بشواهد تنبئنا بأنّ شعوبا وأمما كاملة انتهت وتلاشى أثرها لعجزها عن الصّمود بوجه اعتداءات خارجيّة محدودة جدّا في الزّمن وفي البطش العسكريّ مقارنة بما ترسف تحته أمّتنا العربيّة من تلاحق الاعتداءات والاستهداف الخارجيّ مرحليّا تارة ومتجانسا متوافقا دوليّا تارات أخرى.. وهو دليل قاطع على أنّ رغبة البقاء - إذا ما اعتمدنا بعض النّظريّأت العلميّة بصرف النّظر عن دقّتها – في الأمّة العربيّة أقوى من جميع محاولات إبادتها وإحالتها نسيا منسيّا..
إنّ قسوة الأوضاع الظّرفيّة الرّاهنة التي تجتاح الأمّة العربيّة لا تغدو أن تتجاوز مخاضا ستوهب إثره للعرب حياة راقية زاهية توازي حجم نضالاتهم ومكابداتهم ومقاومتهم ولا ريب، فينطلقوا بعدها في تضميد جراحهم والتّشييد والتّعمير والمسك بنواصي المعارف والعلوم كما كان أجدادهم في كلّ العصور..
شبكة البصرة
الخميس 7 صفر 1437 / 19 تشرين الثاني 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق