قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الجمعة، 20 نوفمبر، 2015

المقاومة الوطنية العراقية وجدلية التكامل بين الدورين العسكري والسياسي

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقاومة الوطنية العراقية
وجدلية التكامل بين الدورين العسكري والسياسي
شبكة البصرة
حسن خليل غريب
في كل ثورات العالم تتكامل المناهج السياسية مع العمل العسكري، وهكذا فإن العمل العسكري وسيلة لدعم المناهج السياسية، فليس هناك دور عسكري من دون دليل سياسي. فالدليل السياسي يُرشد العمل العسكري ويوظفه في خدمة الاستراتيجية السياسية.
وعن ذلك ترواح نضال المقاومة الوطنية العراقية، منذ انطلاقتها، بين دورين: سياسي وعسكري. فإذا كان الدوران وجهين لعملية سياسية واحدة، فإن ما يرشدهما هو المنهج السياسي الذي يسند أهدافه إلى ثوابت استراتيجية لا يجوز القفز فوقها، أو النزول تحت سقفها. وإذا كانت الثورات تمر بمراحل فإن لكل مرحلة وسيلتها التي تصب نتائجها في مصلحة الثوابت السياسية التي ينص عليها المنهج السياسي الاستراتيجي. وإذا كانت أهداف المنهج السياسي ثابت استراتيجي فإن للأهداف المرحلية وسائل تتغير بتغير الظروف المحيطة بالثورة من دون أن تتناقض معها، لا بل يجب توظيفها لخدمة الأهداف الاستراتيجية الثابتة.
وبنتيجة تسليط الضوء على العلاقة بين الاستراتيجي والمرحلي، يمكننا تثبيت المسلَّمة التي تقول بضرورة التزويج بينهما بطريقة تستفيد فيها الاستراتيجية الثابتة من التكتيك المرحلي، ذلك التكتيك الذي يمثِّل أحياناً كثيرة الاستفادة من العوامل المتغيرة لتوظيفها في خدمة الأهداف النهائية. فالتكتيك هو عبارة عن التواءات بسيطة عن الثوابت العامة، على شرط أن تصب نتيجة تلك الالتواءات في طاحونة الثوابت. وإذا لم تحسن الاستراتيجية الاستفادة من تلك الالتواءات فإنها تكون عرضة للكسر، وهذا ما يتعارض مع المسلمة السياسية التالية: (لا تكن صلباً فتُكسر، ولا ليناً فتُعصر).
واستناداً إلى ذلك، نتساءل: كيف حصل التكامل بين العمل السياسي والعمل العسكري في مسيرة المقاومة الوطنية العراقية؟
منذ بداية الاحتلال، رفعت المقاومة الوطنية العراقية بندقيتها في وجه الاحتلال، ولكنها لم تُغفل دور التفاوض السياسي. وإنها في الوقت الذي كانت تحافظ على استمرارية العمل العسكري فإنها كانت تعلن قبولها بوسيلة التفاوض مع قيادة الاحتلال. وهنا، يمكننا الإضاءة على الكيفية التي كانت المقاومة تعتمدها من أجل التكامل بين الدورين العسكري والسياسي.
كانت انطلاقة المقاومة مبنية على منهج سياسي يرفض الاحتلال جملة وتفصيلاً، وهذا ثابت لا يمكن النزول تحت سقفه. وانطلقت المقاومة على خطى ذلك المنهج، أي الإعلان السياسي برفض الاحتلال، وكان الهدف من إطلاق العمل العسكري هو تحرير الأرض من الاحتلال. ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، فقد عملت قيادة المقاومة على قاعدة التكامل بين القوة العسكرية والوسيلة السياسية.
فكيف كانت الوسيلتان تتكاملان؟
من أهداف المقاومة العسكرية اتباع وسائل الضغط العسكري على الاحتلال لإرغامه على الانسحاب من العراق. وفي المقابل لم تقفل أبواب التفاوض السياسي مع الاحتلال ولكن على قاعدة الاتفاق على وسائل الانسحاب منه بشكل كامل.
وبمثل هذا التكامل، كانت أهداف المقاومة العسكرية إنجاز التحرير بوسائل عسكرية. ولما فتحت قيادة المقاومة أبواب التفاوض السياسي فإنما لكي تنجز التحرير بوسائل سياسية. ولما كان تحرير العراق يمثل الهدف الثابت المشترك بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي، كانت المقاومة تستخدم كل الوسائل الممكنة من أجل تحقيق هدف التحرير. ولذلك، ولما كان المحتل الأميركي عارضاً وقابلاً بالتفاوض السياسي ولكن ليس على أساس الانسحاب من العراق، استمرت المقاومة العسكرية إلى أن حققت أولى النتائج بإلحاق الهزيمة بجيش الاحتلال الأميركي. ولم تخضع قيادة المقاومة لشتى أنواع ترهيب الاحتلال وترغيبه، وبذلك تكون قد حافظت على ثوابت منهجها السياسي الاستراتيجي.
ولأنه في سبيل تحرير العراق لا بُدَّ من سلوك الطريقين السياسي والعسكري،
ولأن المقاومة سلكتهما معاً، وهي تراهن على أن تحقيق الهدف قد يكون من خلال أحدهما، العسكري أو السياسي، تكون بذلك قد أتقنت فنون التحرير بوسائل عسكرية، وبوسائل سياسية.

أما كيف أظهرت المقاومة نتائج أعمالها العسكرية والسياسية منذ بداية الاحتلال حتى يومنا هذا؟
لقد مرَّت القضية العراقية بثلاث مراحل، وهي:
- المرحلة الأولى: وهي مرحلة ما قبل إعلان الهزيمة الأميركية في أواخر العام 2011، وهي المرحلة التي غلَّبت فيها قيادة المقاومة دور العمل العسكري: في هذه المرحلة، ولأن الاحتلال كان يريد من التفاوض سياسياً مع المقاومة أن يفرض شروطه، بينما المقاومة كانت تريد تحرير العراق، ولما لم يستجب الاحتلال لذلك، فقد احتلَّ العمل العسكري المقاوم الدور الأول، وكانت من أهم نتائجه إلحاق الهزيمة بقوات الاحتلال.

- المرحلة الثانية: (ابتدأت منذ الانسحاب الأميركي واستمرت حتى أواخر العام 2013): وهي مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، التي غلَّبت فيها المقاومة دور العمل السياسي على العمل العسكري: حصل الانسحاب الأميركي من العراق بعد أن أوكل عملاءه بحكم العراق، يعني أن المواجهة العسكرية ستكون بين العراقيين أنفسهم. ولكي توفِّر الدم العراقي فقد أعطت المقاومة الأولوية للعمل السياسي. وكان الهدف من قرارها هذا إعطاء فرصة لبعض المشاركين بالعملية السياسية للتراجع عن خطأ مشاركتهم بتلك العملية من جهة، ومن جهة أخرى إفساح المجال أمام الشعب العراقي ليلعب دوره في تحرير العراق بوسائل المقاومة السلمية التي اتخذت شكل الحركة المطلبية الإصلاحية. ولما أصرَّت حكومة الاحتلال على قمعها بالقوة بالتعاون مع الأميركيين والإيرانيين، فقد فرضت على المقاومة استراتيجية أخرى، وأن تؤسس للمرحلة الثالثة.

- المرحلة الثالثة: (ابتدأت في العام 2014) وفيها استخدمت المقاومة أسلوب التوازن بين الدورين السياسي والعسكري: كانت تلك هي مرحلة الإمساك الإيراني بالساحة العراقية، وإعادة إحياء الدور الأميركي العسكري لإسناد العملية السياسية في مواجهة الحراك الشعبي السلمي في المحافظات العراقية الستة. وإنه لما لجأت حكومة الاحتلال لاستخدام القوة بضرب الانتفاضة الشعبية السلمية، تكون قد فرضت على المقاومة إشهار السلاح من جديد لحماية جماهير الانتفاضات الشعبية.
ولأن المرحلة الثالثة ما تزال مستمرة حتى تاريخه، فإن المقاومة العراقية استطاعت أن تحبط كل الوسائل العسكرية التي استخدمها النظام الإيراني براً، والإدارة الأميركية جواً، فتكون بذلك قد ألحقت الفشل بالمخطط العسكري المعادي الذي ما يزال يراوح مكانه منذ أكثر من سنة. وإنها في الوقت الذي تدافع عن نفسها عسكرياً، وتستنزف قوى الاحتلالين الإيراني والأميركي، فهي لم تقفل الأبواب في وجه الدور السياسي، لا بل فتحت أبوابه على شتى الاتجاهات. ولهذا فمن الضروري أن نقرأ مما يتوارد من أخبار عن الوسائل السياسية التي تستخدمها قيادة المقاومة فيما يُعرف بالمقاومة السياسية، وهنا تحضرنا أربع مهمات سياسية مفتوحة الأبواب أمامها، وهي على المستوى الداخلي العراقي، والمحيط العربي الشقيق، والمحيط الإقليمي، والمحيط الدولي:
بداية لا بُدَّ من الإشارة إلى أن المقاومة الوطنية العراقية لم تقفل أبواب التفاوض السياسي سوى في وجه العدو الصهيوني، ودعت إليه جميع القوى الأخرى ولكن على قاعدة مبدأ التحرير الكامل والشامل. كما أنها لم تقفل أبواب التعاون، في سبيل تحرير العراق، في وجه أي جهة ابتداءً من القوى السياسية العراقية، وانتهاء بكل القوى السياسية العربية والإقليمية والدولية، أهلية كانت أم رسمية. وليس هذا فحسب، بل دعت الجميع إلى المشاركة في تحرير العراق كون تحريره ليس من واجبات العراقيين لوحدهم، لأنهم ضحايا العدوان والاحتلال المباشر، بل دعت كل القوى من أجل المساهمة في فرض تطبيق القانون الدولي الذي ينص مبدئياً على حق الشعوب في تقرير مصيرها من دون تدخل أو ضغط خارجي، وينص حقوقياً على مقاومة الاحتلال.
1- على مستوى استثمار الدور السياسي داخل العراق:
إذا كانت قيادة الثورة تحمل غصن الزيتون بيد فإنها تحمل البندقية باليد الأخرى، وهي تمارس هذه الاستراتيجية لأن القوى السياسية العراقية، داخل العملية السياسية وخارجها، ليست مجمعة على حماية الوضع الشاذ الذي صنعته قوى الاحتلال في العراق، بل إن البعض منها يعاني من إرباك وتردد في مواقفه، وكأنه كالطائر الذي يسبح في الفضاء بين المقاومة والاحتلال. وما ينطبق على القوى السياسية ينطبق أيضاً على القوى الشعبية. وإذا كان البعض يقسم مواقف العراقيين من ذلك الوضع الشاذ حسب المعايير الطائفية والمناطقية فهو يقفز عن حقائق الواقع، وهذا ما أكدته الانتفاضات الشعبية الأخيرة التي شملت كل مناطق العراق وطوائفه وأديانه وأعراقه. إن حقيقة الواقع تلك تُوجب إدارة هذا الواقع بحنكة السياسي وبراعة الثائر، أي استخدام السياسي في الوقت المناسب والعسكري في وقته المناسب أيضاً.

وهنا نطرح السؤال التالي: كيف يمكن للمقاومة أن تنجح في تثوير العراقيين كلهم؟
نبدأ بالتساؤل ليس عن أسباب ثورة الشعب العراقي، بل نتساءل: لماذا لم تصل الثورة الشعبية العراقية حتى الآن إلى نتائج ملموسة على الرغم من أن حكومة الاحتلال لم تترك أثراً إيجابياً يشكل حجة عند داعميها أو المشاركين فيها للدفاع عنها؟
- بدءاً من جريمة الاحتلال الأميركي وصنوه الإيراني بحق العراق...
- ومروراً بكل الجرائم السيادية، والسياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي يرتكبها عملاء الاحتلال الأميركي –الإيراني، وهي كثيرة ومتشعبة وأكثر من أن تحصى...
- وانتهاء بالجرائم التي يرتكبها حزب الدعوة، وكل أطياف الشلل الطائفية، كل يوم بحق كل العراقيين، بل أيضاً حتى بحق الطائفة التي يزعمون تمثيلها.
ولأن كيل الجرائم قد طفح، لم يبق عذر واحد لأي عراقي يتلكأ عن المشاركة بالثورة التي تمثل كل أطياف الشعب العراقي الطائفية والعرقية والطبقية. وعلى الرغم من أن الثورة قد انتشرت أفقياً وعامودياً في شتى أرجاء العراق، لماذا لم تسقط العملية السياسية حتى الآن؟
نعتقد، بما يرشح من وقائع على الأرض أن عملية الاحتلال السياسية أصبحت جوفاء لم يبق منها سوى الغطاء الواهي الذي يحرص على حمايته التحالف الأميركي – الإيراني من السقوط النهائي. وتلك هي حماية واهية لأنه لا يمكن لقوة خارجية مهما بلغت من القوة وشدة البأس أن ترمم عظام جثة سياسية بلغت مدى متقدماً من الاهتراء.
إن واقع العملية السياسية الآن تعيش على بعض الأوكسجين الخارجي، والمقاومة تقوم باستنزافها سياسياً من جهة، واستنزافها عسكرياً من جهة أخرى. وهي في موقف الاحتضار الأخير، والمراهنة من قبل داعميها تتم على قاعدة استخدام وسيلة عض الأصابع، ينتظرون أن تصرخ المقاومة أولاً، ولكن المقاومة، بالإضافة إلى حماية قواعدها الشعبية عسكرياً، تعتمد قيادتها على فنون التكتيك السياسي مع شتى القوى المترددة داخل العملية السياسية، والتي تمثل أعمدة في خيمتها، وهي تراهن على خلخلة تلك الأعمدة، بإبطال فعاليتها من خلال الكشف عن جرائمها المتعددة الألوان والأشكال أمام الشعب العراقي.
إن نتائج تأثير الدور السياسي والإعلامي أصبحت واضحة في تعرية كل القيادات السياسية وإثبات فسادها. وكذلك تعرية القيادات الدينية من عمائمها وجلابيبها بعد أن خدعت أبناء طوائفها لزمن طويل. كما تعرية النخب الفاسدة، التي تزعم أنها تحمي أبناء مذهبها، حتى من ورقة التوت التي يتسترون بها، وكشفت عن عوراتها وحقيقة مفاسدها.

2- على مستوى الاستثمار السياسي لعلاقة المقاومة مع المحيط العربي الشقيق:
على قاعدة استراتيجية تحرير العراق من الاحتلال، تؤمن المقاومة العراقية بأنه من واجبات كل العرب، شعوباً وأنظمة رسمية، من دون النظر إلى مواقعهم الطبقية أو الدينية، أن تسهم بواجباتها في معركة التحرير كهدف له الأولوية على أي أهداف أخرى. وهذا لا يمكن تحقيقه من دون نشاط سياسي واضح الأهداف. ونتيجة للحركة السياسية التي تقوم بها قيادة المقاومة تجاه كل الأنظمة العربية أظهرت وقائع الأحداث أن هناك متغيرات على غاية الأهمية في مواقف بعض الأنظمة الرسمية العربية، وخاصة الخليجية منها.
فهي بعد أن شاركت أو سكتت عن الاحتلال الأميركي توهماً منها أنه سيعزز حمايته لها، تأكدت تلك الأنظمة لاحقاً أن حسابات حقلها قبل الاحتلال لم تنطبق على نتائج محاصيل بيدرها بعد الاحتلال، إذ اكتشفت أن أمنها الوطني والقومي أصبح في غاية الانكشاف أمام التدخل الإيراني السافر في شؤونها. ولما تأكدت أن احتلال العراق لم يوفر لها أي مظلة للحماية فحسب، بل جعل أمنها مكشوفاً ولقمة سائغة أيضاً، أخذت حساباتها تتغير خاصة عندما أوكل الاحتلال الأميركي أمر العراق للنظام الإيراني. ونتيجة لذلك، كما تؤكد التقارير والقراءات، قامت بمراجعة مواقفها من القضية العراقية، وخاصة إعادة النظر بالعلاقات بين تلك الأنظمة مع أطراف المقاومة العراقية وفصائلها. وكان من أهم الدلائل، ما يلي:
- إعلان خليجي واضح بخطورة الاحتلال الإيراني للعراق على أمنهم الوطني. وهذا يتلاقى ويتطابق مع أهداف المقاومة العراقية.
- البدء بفتح صفحة جديدة من خلال مؤتمر الدوحة الذي جمع قيادات فصائل المقاومة مع ممثلين عن معظم دول الخليج العربي.
وإذا صحَّت قراءتنا، فنحسب أنه طالما خطت دول الخليج العربي خطوة تجاه المقاومة العراقية فمن غير المنطقي أن لا تقابل قيادة المقاومة هذه الخطوة بمثلها. وقد لبَّت الدعوة وشاركت بفعالية باللقاءات. وهذا ما يؤدي بطبيعة الواقع أن تعبِّر تلك القيادة عن استجابتها لتلك الخطوة عبر أكثر من وسيلة، ومنها الوسيلة الديبلوماسية، وقد ترجمها الرفيق عزة ابراهيم، الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي والقائد العام للمقاومة العراقية، ببعض برقيات التعزية أو التهنئة أو التأييد إلى بعض ملوك وأمراء تلك الدول.
إن تلك البرقيات كانت سبباً لاعتراضات أعلنتها بعض القوى، وسبباً لشجب أعلنه البعض الآخر. إن الأصوات التي ارتفعت شجباً واتهاماً، صادرة إما عن حسن نية أو عن سوئها، وذلك للتشويش على مسيرة الثورة والمقاومة العراقية.
لقد صدرت تلك المواقف من بعض القوى والشخصيات الوطنية عن حسن نية متجاهلة أولوية هدف تحرير الأرض عن أي هدف آخر، خاصة أن الرفيق الشهيد صدام حسين، وكذلك الرفيق عزة ابراهيم عن مبدأية تلك الأولوية. وأما الذين شجبوا فقد أظهروا مواقفهم العدائية لتشوية صورة الثورة العراقية، خاصة أنهم لم يقفوا في صفها أو قاموا بتأييدها مرة واحدة. وإما بعض الذين أدلجوا سبب شجبهم، زاعمين أنها لا تتوافق مع معاييرهم الأيديولوجية في الربط بين الثورة والتصنيف الطبقي، فكان شجبهم في الواقع عبارة عن قصور في قراءة النظريات التي تشبَّعوا بها كنصوص جامدة حفظوها من دون مقاربتها الصحيحة بين حديْ العمل السياسي للعلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك أولاً، وعلى أولوية هدف تحرير الأرض المحتلة على أي هدف آخر ثانياً.

3- على مستوى الاستثمار السياسي لدور المحيط الإقليمي المجاور للعراق:
باستثناء النظام الإيراني، كقوة إقليمية مجاورة للعراق، لم تقفل قيادة المقاومة والثورة أبواب الحوار السياسي مع الأنظمة الأخرى وخاصة النظام التركي، بل فتحتها على مصراعيها من أجل الاستفادة من أي دور إيجابي يصب في مصلحة تحرير العراق، خاصة الاستفادة من تسهيلاتها اللوجستية لقوى المقاومة والثورة.
أما لماذا شمل الاستثناء بالحوار السياسي النظام الإيراني من دون غيره من القوى الأخرى؟
لا بُدَّ من التأكيد على أن النظام المذكور يشكل التناقض الرئيسي، في هذه المرحلة، مع أهداف قيادة المقاومة والثورة في العراق لسبب واحد وأساسي، وهو أنه يلعب دور المحتل الرئيسي للعراق في هذه المرحلة بعد انسحاب القوات الأميركية، وهو الذي يدير العملية السياسية حسب مصالحه. وعلى الرغم من ذلك، فقد رفعت القيادة، منذ البداية، غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى، طالبة من القيادة الإيرانية الانسحاب من العراق واعتماد سياسة حسن الجوار كسياسة علاقات استراتيجية بين الدولتين المتجاورتين. ولكن النظام الإيراني كان في كل مرة يعتبر رفع غصن الزيتون علامة ضعف، السبب الذي كان يثنيه عن إبداء حسن النية تجاه قيادة المقاومة والثورة ولو تلميحاً. ولأنه لم تنفع وسائل الحوار السياسي معه فكان لا بُدَّ من سلوك وسائل المقاومة العسكرية. وهي مستمرة حتى الآن.

4- على مستوى الاستثمار السياسي لدور علاقات المقاومة والثورة مع المحيط الدولي:
آخذة بعين الاعتبار الوجهين المبدأي والمصلحي في العلاقات بين الدول، أولت قيادة المقاومة والثورة أهمية خاصة لبناء علاقات مع معظم دول العالم للاستفادة من دورها وتأثيرها على مسار استراتيجية تحرير العراق.
وإذا كانت قيادة الثورة والمقاومة قد أخذت هذا الجانب السياسي بعين الاعتبار، وعزَّزت اتصالاتها مع معظم دول العالم من أجل شرح عدالة قضيتها وطلب المعونة والمساعدة، إلاَّ أن عدالة القضية لا تؤثر لوحدها في إقناع الدول الأخرى إذا لم تقترن بمدى قدرة المقاومة على امتلاك مقومات الحد الأدنى من القوة العسكرية للدفاع عن قضيتها المطروحة. فعدالة القضية وقدرة المعنيين بها للدفاع عنها يشكلان المكيال الأساسي للحصول على مساعدة الدول.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الحصول على مساعدة من المنظمات المدنية والأهلية ذات الطابع الإنساني والحقوقي هو أيسر بكثير من الحصول عليها من الأنظمة الرسمية. فالأولى لا تشترط للمساعدة أكثر من عدالة القضية لأنه لا مصلحة لها غير الانتصار للمبادئ الإنسانية، بعكس الثانية التي تربط مساعدتها بمدى الحصول على مصلحة سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو أمنية أو غيرها...
وإذا كان من الأهمية بمكان الحصول على تأييد المنظمات المدنية والأهلية الإنسانية، لأنها تضيف ثقلاً معنوياً للقضية المطروحة، فإن الحصول على مساعدة الدول والأنظمة الحاكمة هو أكثر أهمية لأن تلك الدول والأنظمة تملك مقومات المساعدة المادية والسياسية والأمنية والعسكرية وغيرها.
هذا هو الواقع الذي أثبتته تجارب التاريخ، وأكدت أن علاقات الدول مع الحركات التحررية قلَّما تعطي المبدئية دوراً في بنائها إلاَّ بالقدر الذي يستطيع شعب من الشعوب، الذي تتعرَّض حقوقه للعدوان، أن يمتلك حداً أدنى من عوامل الدفاع عن حقوقه. ولذلك من النادر أن تجد من الدول من يدافع عن دولة أخرى، أو عن قضية إنسانية، لأسباب أخلاقية. ونستثني من تلك الدول كل دولة لا تربطها مصلحة مباشرة مع القضايا الساخنة المطروحة.
ولأن للقضية العراقية وجهان: مبدأي وحقوقي،
ولأن المقاومة العراقية أثبتت بالإضافة لعدالتها أنها تمتلك المخالب القوية عسكرياً في وجه أعتى وأكبر دول العالم قوة.
ولأن الإنجاز الذي حققته المقاومة بإلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة الأميركية صاحبة مشروع (نحو قرن أميركي جديد) قد خلَّصت البشرية من شرور ذلك المشروع. ولا يخفى على أحد أنها أنقذت حتى أصدقاء أميركا نفسها بين من أنقضت،
يتوجَّب على المجتمع الدولي الحر أن يؤيد الشعب العراقي في مقاومته من أجل تحرير أرضه واستعادة قراره الوطني المستقل من جهة، ومن جهة أخرى اعتبار تلك المقاومة بمثابة منع الخطر عن شعوب العالم الأخرى قاطبة ضد التغوُّل الأميركي الرأسمالي.
هذا الواقع العملي وتلك هي النتائج الفعلية، يفرضان التساؤل التالي:
لماذا لم تمد أي من الدول، والأنظمة الحاكمة فيها، يد المساعدة للمقاومة العراقية حتى الآن؟
وتفسيراً لذلك، نرى أن تعقيد العلاقات والمشاريع الجارية على مساحة الوطن العربي، دولياً وعربياً وإقليمياً، من حيث قيام تجالفات مصلحية هنا أو هناك، حتى إنه يمكن تصنيف بعض تلك التحالفات في دوائر التحالفات الشاذة، هو ما يحول دون أكثر الدول في العالم، وخاصة الكبرى منها، من بناء علاقات ثابتة مع المقاومة الوطنية العراقية وامتدادتها الثورية الشعبية.
ولذلك نحسب أن الوضع الدولي المتحرك الآن سائر باتجاه الاستقرار، طال الزمن أم قصر، ولن يعود إلى نقطة الصفر، أي إلى مرحلة الاستفراد الأميركي بالقرارات الدولية. وإن المرحلة الجديدة المرتقبة تحمل آمالاً جديدة تعيد للقضية العراقية موقعها المؤثر في قرارات الدول خاصة منها التي توطأت عليها أو تلك التي أهملتها إلى حين وصول الزالزال في العلاقات الدولية إلى مرحلة الاستقرار.
وأخيراً،
إن المقاومة الوطنية العراقية، منذ انطلاقتها الشعبية المنظمة حتى الآن، أثبتت جدارتها في الدفاع عن أهدافها الاستراتيجية، بشكل ثوري منظم، امتلكت فيه مواصفات الثورة الحقيقية الثلاثة، وهي: المنهج السياسي الاستراتيجي، والقيادة الموحَّدة التي اكتسبت ثقة قواعدها وأنصارها وأصدقائها، واستخدام الوسائل الثورية بشقيها العسكري والسياسي كل شق بتوقيته الصحيح والمناسب.
وبمراجعة حصادها منذ لحظة انطلاقتها حتى الآن، نجد أنها أنجزت أهدافاً عديدة من دون مساعدة أحد ما لم تنجزه مقاومة أخرى في التاريخ، وذلك الحصاد إذا قمنا بتعداد نتائجه، يشكل الرد الكافي على كل من شوَّش، أو شكَّك، أو شجب، إنجازاتها.
وإنها بعد مرور ما يقارب الاثنتي عشر عاماً، وبعد ثبات مصداقيتها عند مؤيديها منذ البداية، وعند من كانوا مناهضين لها، على حد سواء. وبعد اتضاح أهدافها عند من كانوا غير مكترثين بها، انفتحت أمامها أبواب كانت مغلقة حتى الأمس القريب. وإن انفتاح الأبواب سيظل مستمراً من أجل تقديم الدعم لها. وذلك لن يتوقف كما تؤكده التقارير التي تُنشر على قلتها. وإنها سائرة نحو إنجاز تحقيق كل أهدافها، وإن كانت خطوة فخطوة، وصولاً إلى النصر الأكيد. حيث سينفض الشعب العراقي غبار المآسي والآلام عن كاهله لينعم بوطن دافع عنه بالغالي والنفيس من مال وأنفس وبنين.
في 18/11/2015
شبكة البصرة
الاربعاء 6 صفر 1437 / 18 تشرين الثاني 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق