قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الخميس، 26 نوفمبر، 2015

كلمة المحرر الأسبوعي لموقع طليعة لبنان الواحد : الاستقلال بتعبيراته السيادية ومضامينه السياسية والاقتصادية

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الاستقلال بتعبيراته السيادية
ومضامينه السياسية والاقتصادية
شبكة البصرة
كلمة المحرر الأسبوعي لموقع طليعة لبنان الواحد
مرت ذكرى الاستقلال هذا العام في ظل استمرار الشغور في موقع الرئاسة الأولى، وتعطيل عمل مجلس الوزراء بسبب الخلاف على آلية عمله، واعتبار انعقاد مجلس النواب تحت عنوان "تشريع الضرورة"، إنجازاً كبيراً.
إن اللبنانيين الذين كانوا يواكبون هذه المناسبة من خلال مشهدية الاحتفاء الرسمي بها، لم يتسن لهم ذلك، لعدم تنظيم عرض عسكري، وهو كان تقليداً سنوياً، ولعدم توحد برامج البث التلفزيوني على نقل رسالة الرئيس عشية الذكرى، وعدم فتح أبواب القصر الجمهوري أمام الخاصة والعامة لاستقبال المهنئين. لكن ما عوض هذا الغياب الرسمي عن الاحتفاء بالمناسبة، تمثل بفعاليات الحراك الشعبي الذي نظمت مجموعاته أنشطة متعددة وكلها صبت ومن حيث انطلقت في وسط المدينة عبر تعدد ساحاتها، من سادة الشهداء إلى رياض الصلح وعلى مداخل المجلس النيابي الذي لم يحظ المشاركون "بشرف" الوصول إلى ساحته لأكثر من سبب وسبب.
إن الأحياء الشعبي لهذه المناسبة الوطنية وعلى أهميته، لا يشكل بديلاً عن الأحياء الرسمي لها نظراً للدلالات التي تنطوي عليها وعلى الأقل من خلال مشهديات الأحياء وهي التي كانت تختصر بثلاث: رسالة الرئيس، والعرض العسكري، ووضع الأكاليل على أضرحة ونصب من جرى الاتفاق على اعتبارهم قادة الاستقلال.
فالدلالة التي تنطوي عليها رسالة الرئيس، أنها توجه إلى عموم الشعب ممن أملى عليه موقعه أن يكون حارساً للدستور، باعتباره الوحيد الذي يقسم اليمين الدستوري، وهو بحسب المادة (49) من الدستور هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور.
وأما دلالة العرض العسكري التقليدي في هذه المناسبة، فإنها تنطوي على رمزية أن هذا الجيش هو حامي سياج الوطن وصائن لوحدته وساهر على حماية السلم الوطني، وهذه من العناوين الأساسية التي يتجسد من خلالها السلوك الاستقلالي.
وأما زيارة النصب والأضرحة، لمن اعتبروا قادة الاستقلال، فإن ذلك ينطوي على تكريم لمن أدى دوراً في بلورة المعالم الاستقلالية وتهيئة الأرضية الداخلية لإنتاج واقع سياسي جديد يحاكي الطموح الشعبي في التعبير عن إرادة وطنية مستقلة وتحقيق أمن سياسي تصان في ظله الحريات العامة، ويعيش اللبناني مواطنيته على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، ويسود مبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتتوفر للإنسان كل مستلزمات أمنه الاجتماعي والاقتصادي.
بالعودة إلى بداية التأسيس للعهد الاستقلالي، كان الأمل يحدو الشعب، بأن التحرر من الانتداب سيحرره من الاستلاب الاجتماعي وأنه في ظل النظام السياسي الذي ستنتجه الإرادة الوطنية، سيعيش اللبناني إنسانيته بعيداً عن الاستغلال وهذه يفترض أن تكون أولى ثمار الحصاد الاستقلالي. وعندما بدأت الخطوات العميلة لإقامة منظومة المؤسسات التي يناط بها ضبط الإيقاع الوظيفي العام وإيجاد الإطار القانوني لمؤسسات الرقابة والمحاسبة والمساءلة، ارتفعت نسبة الأمل، بأن العهد الاستقلالي سيدخل البلاد رحاب النظام المؤسساتي وهي القاعدة الأساسية والارتكازية لقيام الدولة بمفهومها الدستوري والحقوقي ووظيفتها السياسية والاجتماعية.
هذا الذي عاش اللبنانيون على أمل تحقيقه لنيف وسبعة عقود، بات تحقيقه بعيد المنال مع حلول الذكرى الثانية والسبعين لإعلان الاستقلال. والنكسة لهذا الأمل الاستقلالي ليست في غياب وتغييب المشاهد الاحتفائية بالمناسبة، بل بالإفراغ المبرمج للشعار الاستقلالي من مضامينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكل ما له علاقة بالمضمون الفعلي للاستقلال الوطني.
هذا الإفراغ بات يتجلى بحرمان الدولة من ممارسة وظيفتها السيادية على أرضها حيث الأمن ليس حقاً حصرياً لقوى الشرعية، وحيث المساواة ليست الحق الطبيعي في انتماء المواطنة، وحيث العدالة الاجتماعية هي شعار نظري في ظل الخلل المريع في نظام التوازن الاجتماعي بعدما قوضت مرتكزات الطبقة الوسطى والتي كانت ميزة من ميزات التركيب المجتمعي اللبناني قبل أن تندلع شرارة الأحداث المتوالية فصولاً. واللبنانيون باتوا اليوم وباستثناء قلة متناقصة محرومين من شروط الحياة المقبولة بحدها الأدنى، بعد الانهيار في قواعد الانتظام العام، وبروز طبقة سياسية لم تفرزها إرادة التمثيل الشعبي الصحيح، بل المنظومات السياسية التي تمسك بمفاصل السلطة والتي تستمد قوتها من الاتكاء على وسائط الدعم الخارجي وأياً كانت التداعيات السلبية على أمن "الوطن" والمواطنة. وهذا ما يتجلى من خلال تعطيل أداء المؤسسات التشريعية والتنفيذية وتلك التي تتولى الشأن الوظيفي والخدماتي. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تحل ذكرى الاستقلال، وتنعدم فيها مشاهد الاحتفاء الرسمي، لأن القابضين على مقاليد السلطة هم أبعد ما يكونون عن النهج الاستقلالي الوطني بمضامينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعبيراته السيادية.
فعندما يستمر الشغور في الرئاسة لأكثر من سنة ونصف، وعندما تستبدل القواعد الدستورية الناظمة للعلاقة بين المؤسسات بالبدع الدستورية، وعندما تعطل المؤسسات الرقابية لمصلحة أصحاب النفوذ، تسود العشوائية في ممارسة التشريع وسلطة التنفيذ وكل ما له علاقة بإدارة الشأن العام وما أكثر الشواهد على ذلك. وهذا ما جعل اللبنانيين يترحمون إلى عهد سابق كانوا يطمحون بتغييره نحو الأفضل فإذا بهم يقعون في مطب الأسوأ. وهذا ما كان ليحصل لو كانت هناك مساءلة ومحاسبة حقيقة. و هذه القضية إذ تطرح اليوم وتتصدر واجهة الخطاب لقوى الحراك الشعبي، فلأن الأوضاع وصلت إلى مرحلة لم يعد التعايش ممكناً مع حيتان المال والسياسية وقوى الأمر الواقع والتي لم تكتف بمصادرة القرار الوطني وحسب، بل صادرت الحق الطبيعي بالعيش في ظل نظام سياسي تحترم فيه الإرادة الشعبية في التغيير والتطوير نحو الأفضل وبما يلبي الحاجات الأساسية لحياة اجتماعية كريمة.
إن ما تبقى من هياكل سلطوية رسمية لم تستطع أحياء مناسبة وطنية، وأن تحييها قوى الحراك المدني بفعالياتها المتنوعة لا يلغي وجوب التأكيد على الأحياء الرسمي لها. والمدخل لذلك إعادة تفعيل عمل المؤسسات الدستورية وأولها ملء الشغور الرئاسي وإيجاد أرضية جديدة لإعادة تكوين السلطة على قاعدة صحة التمثيل الشعبي بعيداً عن نظام المحاصصة الداخلية وبالأخص الطائفية منها، والإقلاع عن المراهنة عن الاستقواء بالخارج لتحسين مواقع الداخل.
فالمحاصصة الداخلية تضرب ركائز الاستقرار الاجتماعي والاستقواء بالخارج يضرب ركائز الاستقرار الوطني، وفي كلتا الحالتين يكون مفهوم الاستقلال مفرغاً من مضامينه الحقيقة. وهذا ما لا يريده اللبنانيون الذين سيبقون يسعون لإعطاء الاستقلال مضمونة الوطني الحقيقي على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما الصرخة التي يطلقها الحراك والتي تعبر عن حالة ضميرية شعبية إلا الرسالة الموجهة من قاعدة الشعب العريضة.
قد تكون هذه الصرخة غير كافية لتغيير كل معالم الحياة السياسية، إلا أنها بدون شك قادرة على إيقاظ مبكر لشرائح شعبية عانت طويلاً وما تزال، وهي ترنو اليوم إلى إعادة الاعتبار للمفهوم الاستقلالي بكل تعبيراته ومضامينه، وحراكها يجب أن يتواصل وبوتائر مدروسة لتجيب عن التساؤل :أي استقلال نريد؟
شبكة البصرة
الاربعاء 13 صفر 1437 / 25 تشرين الثاني 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق