قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 1 مارس، 2015

جرائم الحرب الصهيونية والجرائم ضد الإنسانية وسبل ملاحقة مرتكبيها قضائياً ورقة عمل مقدمة من لجنة المحامين في حزب طليعة لبنان العربي الإشتراكي إلى المنتدى الدولي للعدالة في فلسطين المنعقد في بيروت 22/23- 2/2015

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جرائم الحرب الصهيونية والجرائم ضد الإنسانية
وسبل ملاحقة مرتكبيها قضائياً
ورقة عمل مقدمة من لجنة المحامين في حزب طليعة لبنان العربي الإشتراكي
إلى المنتدى الدولي للعدالة في فلسطين المنعقد في بيروت 22/23- 2/2015
شبكة البصرة
مقدمة:
في 29/11/1947، صدر القرار الدولي رقم 181، الذي أعلن بموجبه قيام دولة "إسرائيل" على قسم من أرض فلسطيني. وقد أسبغ هذا القرار شرعية على الكيان الصهيوني، ومنذ ذلك الحين أصبحت "إسرائيل" عضواً في هيئة الأمم.

إن القرار الدولي رقم 181 لم يكن وليد اللحظة، بل جاء في سياق تطور تاريخي، بدأت مقدماته العملية مع دعوة نابوليون إلى اليهود لإقامة كيان لهم في فلسطين، ومن ثم انتقلت إلى بريطانيا مع صدور بروتوكولات حكماء صهيون، مروراً بتوصيات مؤتمر باترمان/1907، وانتهاء بوعد بلفور وإصرار بريطانيا على أن تكون الدولة المنتدبة علي فلسطين في إطار تقسيمات "سايكس –بيكو".

واليوم إذ تستقر الرعاية الدولية "لإسرائيل" في الحضن الأميركي، فهذا يعيد التأكيد بأن تبني قيام كيان غريب في قلب الوطن العربي، يكون معادياً للعرب كافة وصديقاً للاستعمار، ويكون على الجسر البري الذي يربط آسيا بإفريقيا، إنما ارتبط طرداً بتبدل مواقع التقرير في النظام الدولي التي تمارس سياسة استعمارية.

فيوم كانت فرنسا –نابوليون، هي الموقع الأقوى، أطلقت الدعوة، ويوم انتقل الموقع إلى بريطانيا، احتضنت المشروع ووفرت له كل مقومات حياته، ويوم تبوأت أميركا الموقع الدولي الأول في النظام الدولي الذي قام على أنقاض النظام الذي سقط بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت "إسرائيل" تستقوي ليست فقط "بشرعيتها الدولية" بل بالحماية الدولية لوجودها واعتبار هذه الحماية ترتقي حد اعتبارها هدفاً وطنياً أميركياً وقاعدة ثانية للاستراتيجية الأميركية. وهذا لم تخفه أميركا على تبدل إداراتها، بل كانت تفصح عنه باعتبار أن أمن "إسرائيل" من الأمن القومي الأميركي.

إن الكيان الصهيوني الذي منح اعتراف "دولياً" على جزء من فلسطين بالاستناد إلى قرار التقسيم، شن عام 1967، حرباً على ثلاث دول عربية، أسفرت عن احتلاله لأراضي عربية إضافية. بعض هذه الأراضي أستعيد بعد مفاوضات وتوقيع اتفاقيات تسوية، وبعض آخر ما يزال تحت الاحتلال. ومنها الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وبعض الأراضي اللبنانية المعروفة بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

إن "إسرائيل" في ظل الواقع الحالي، هي بنظر المجتمع الدولي دولة معترف بها سنداً للقرار الدولي عام/1947، و"سيادتها" المعترف بها دولياً هي التي مارستها على الأرض التي سبقت عدوان 1967.

أما بالنسبة للأراضي التي وقعت تحت الاحتلال عام 1967، فإن المجتمع الدولي يرى في "إسرائيل" دولة احتلال، وأن القرارات الدولية التي صدرت وخاصة القرارين 242 و 338 قد نصت على الانسحاب من الأرضي المحتلة، علماً أنه دار لغط لغوي حول أراضٍ محتلة بحسب النص الانكليزي والترجمة العربية التي تؤكد على الأراضي، بمعنى شمولها كل الأراضي العربية التي احتلت عام/1967

هذا بالنسبة للشرعة الدولية، أما بالنسبة للعرب عامة والفلسطينيين خاصة، فإن فلسطين بقسمها الذي أقام الكيان الصهيوني دولة عليه سنداً لقرار التقسيم، والقسم المتبقي من أرض فلسطين الذي وقع تحت الاحتلال عام/1967، فإنما هي محتلة كلها، وأن الاغتصاب يشمل كل أرض فلسطين وعليه فإن "إسرائيل"التي هي سلطة احتلال فقط على الأراضي التي احتلت عام/1967 من وجهة نظر الشرعية القانونية الدولية، هي بالنسبة للعرب ومنها الفلسطينيون سلطة احتلال لكل أرض فلسطين.

من خلال هذا الواقع تتم المقاربة القانونية للسلوك الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ومدى تقيد "إسرائيل" بأحكام القانون الدولي الإنساني، بحسب ما نصت عليه اللائحة المتعلقة بالقوانين وإعراف الحرب البرية 1907 من المواد 42 إلى 56 واتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين 1949 في المواد 27 إلى 34 ومن المواد 47 إلى 78 من تلك المتعلقة بالاحتلال الحربي والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

الأحكام التي يتوجب على دولة الاحتلال التقيد بها
إن الإقرار الدولي بأن دولة ما إذا ما أقدمت على احتلال الغير إنما يفرض عليها أن تتقيد بأحكام المواثيق الدولية باعتبارها سلطة احتلال. وهذا يفرض على هذه السلطة أن تعمل بما يتسق مع ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية الأخرى ذات الصلة لأجل تحقيق رفاه الشعب المحتل عن طريق الإدارة الفعالة للإقليم المحتل، والعمل بصفة خاصة على استعادة الأحوال التي يتوفر فيها الأمن والاستقرار وتهيئة الظروف التي تمكن الشعب المحتل أن يقرر بحرية مستقبله السياسي. وهذا ما يستوجب بشكل خاص على سلطة الاحتلال أن تتقيد تقيداً تاماً بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك بصفة خاصة اتفاقيات جنيف الأربع لعام/1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين، الأول والثاني لعام/1977، وقواعد لاهاي لعام 1907.

ولمعرفة ما إذا كانت "اسرائيل" قد تصرفت كلسطة إحتلال وفق مواثيق الأمم المتحدة يكفي الإستعراض على سبيل المثال لا الحصر لبعض من التصرفات والسلوكيات الإسرائيلية داخل فلسطين وخارجها:
1- ارتكاب مجازر جماعية بحق الشعب الفلسطيني: مذبحة دير ياسين، كفر قاسم – صبرا وشاتيلا، وهذا يتناقض مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والمتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
2- ارتكاب مجزرة عين قانا إبان عدوانها على لبنان 1996
3- عملية السور الواقي في الضفة الغربية/آذار 2002/.
4- إنشاء جدار الفصل العنصري.
5- الحرب على لبنان 2006.
6- حصار غزة 2007.
7- العدوان على غزة 2008-2009 واستعمال الأسلحة الحارقة والقنابل الفسفورية والعنقودية.
8- الاعتداء على سفينة الحرية.
9- القتل المتعمد والتعذيب والاعتقال والإبعاد.
10- تدمير المنازل وتحريف الأراضي الزراعية وتدمير البنية التحتية.
11- العدوان على غزة 2012
12- العدوان على غزة 2014 وهو الأطول إذا استمر 55 يوماً.
العدوان على المفاعل النووي العراقي عام 1981.
14- عمليات الاغتيال التي نفذت ضد قادة الثورة الفلسطنية
15- قصف مدرسة بحر البقر في مصر بعد عدوان 1967
16- حرق المسجد الأقصى عام/1969 والانتهاك المستمر لحرمه وحرق الحرم الابراهيمي في الخليل.
17- شن هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه، أو ضد أفراد لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية وكما حصل خلال انتفاضة الأقصى.
18- شن الهجمات ضد الأثار التاريخية وأماكن العبادة والمؤسسات التعليمية.
19- العدوان على سوريا لعدة مرات بدءاً من عام 2007 يوم قصفت منشآءات قالت أنها منشآءات نووية وانتهاء بما نفذته وتنفذه من عداون منذ تفجر الوضع في سوريا.

أهم القرارات والشهادات والتقارير التي وثقت انتهاك "إسرائيل" لأحكام القانون الدولي الإنساني
لقد أصدر مجلس الأمن الدولي عدة قرارات نصت على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الضفة العربية وقطاع غزة، باعتبارها أراضي محتلة.
- القرار 237 تاريخ 14/6/1967
- القرار 271 تاريخ 15/9/1969
- القرار 1322 تاريخ 7/10/2000
- القرار 43/58 6/12/1988 والصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي نص على ما يلي:
إن الجمعية العامة، تدين استمرار "إسرائيل" وتماديها في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة، بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وخاصة الانتهاكات التي تصفها الاتفاقية بأنها حالات خطيرة لأحكامها، وتعلن مرة أخرى، أن ما ترتكبه "إسرائيل" من حالات خرق خطيرة لأحكام تلك الاتفاقية هي جرائم حرب وإهانة للإنسانية.
إن هذا القرار الهام الذي وثق ثبوت انتهاك "إسرائيل" لاتفاقية جنيف الرابعة، وأن جاء متأخراً إلا أنه جاء يشكل دليلاً دامغاً على ارتكاب إسرائيل لجرائم الحرب، وعدم التزامها بالمواثيق الدولية ومنها على سبيل المثال ولا الحصر :
1- عدم التزامها بقرار التقسيم/181/الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/1947 والذي استندت إليه لإعلان استقلالها في 15/5/1948، لأن القرار وإن كان يفتقر إلى المشروعية السياسية والأخلاقية تجاه شعب فلسطين. إلا أنه يبقى سنداً أساسياً لإقرار المسؤولية الدولية، باعتبارها قبلت القرار وأعلنت دولتها بموجبه.
2- عدم التزامها بالقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11/12/1949 والذي ينص على حق العودة للاجئين الفلسطينيين الأمر الذي يرتب مسؤولية على "إسرائيل" في قضية اللاجئين.

أما الشهادات الموثقة: فأهمها شهادة المحلل العسكري لمنظمة "هيومن رايتس وتش" مارك غار لاسكو Mark Garlasco في تقرير نشرته المنظمة في 12/1/2009، وفيه ثبوت ظهور آثار الفسفور الأبيض والقنابل العنقودية الحارقة واليورانيوم على جثث ضحايا غزة في عدوان/2008-2009/وكما ثبت استخدام الجيش الإسرائيلي الغازات السامة والخانقة.

في التقارير:
إن القرارات الدولية، والشهادات التي وثقتها منظمات وهيئات ذات صلة بموضوع احترام وحماية حقوق الإنسان في أوقات السلم والحرب كانت شديدة الوضوح في إدانتها السلوك الصهيوني. لكن مما يجدر التوقف عنده بشكل خاص هو التقرير الخاص حول الجدار العازل وتقرير غولدستون حول الجرائم الإسرائيلية في غزة.

1- الجدار العازل
في نيسان 2002، بدأت "إسرائيل" في بناء الجدار العازل بحسب التسمية الإسرائيلية، وجدار الفصل العنصري بحسب التعريف الفلسطيني. وقد أظهر تقرير لمكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة "اوتشا"، أن "إسرائيل"، استكملت ما يقارب من 57% (414) كلم من المسار الكلي للجدار داخل الضفة الغربية، وهو يؤدي إلى فصل الفلسطينيين بعضهم عن بعض والمزارعين عن أرضهم، وأن 9% قيد الإنشاء وأن 9.8% من أراضي الضفة عند انتهاء الجدار ويترتب على ذلك:
- 385 ألف مستوطن يقطنون 80 مستوطنة وبما يعادل 85% من مستوطني الضفة سيصبحون غرب الجدار، أي في أراضي الضفة التي ستضم بموجب جدار الفصل العنصري.

- 35 ألف فلسطيني في 35 تجمع سكاني فلسطيني، وكذلك معظم سكان القدس وعددهم 250 ألف سيقعون في المنطقة العازلة بين الجدار والخط الأخضر.

- 150 ألف فلسطيني سيحاصرهم الجدار في تكتلات معزولة من ثلاث جوانب أو أكثر(1).

هذا الجدار لم يحظ بشرعية دولية. وعندما عرض الموضوع على مجلس الأمن الدولي، استعملت أميركا كعادتها حق النقض مما حالت دون صدور قرار بإدانة "إسرائيل"، بعدها طرح الموضوع على الهيئة العامة، التي أصدرت قرارها بتاريخ 21/9/2003 وفيه طالبت "إسرائيل" بوقف بناء جدار الفصل العنصري في الأراضي المحتلة باعتباره يتناقض مع أحكام القانون الدولي.

وقد طالبت الهيئة العامة التي لا يحوز قرارها الصيغة التنفيذية "إسرائيل" بأن تحترم وبشكل وفعال اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب. كما طالبتها بوقف وتجميد بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها داخل وحول القدس الذي يتجاوز خط الهدنة لعام 1949.

- بتاريخ 19 شباط/2002 أصدرت منظمة العفو الدولية (أمنستي) بياناً صحفياً اعتبرت فيه أن بناء السور داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يشكل انتهاكاً للقانون الدولي ويشكل تعدياً على حقوق الإنسان، لذلك على محكمة العدل العدلية مناقشة هذه المسألة.

- بتاريخ 19/2/2004، أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، بياناً اعتبرت فيها أن إنحراف جدار الفصل العنصري عن الخط الأخضر، يعد مخالفة للقانون الدولي الإنساني، كما أن سلطة الاحتلال الإسرائيلي تتجاوز كثيراً نطاق المسموح به لسلطة الاحتلال في ظل القانون الدولي الإنساني.

كما يعتبر سلوكها وتصرفها انتهاكاً لقانون الاحتلال الحربي الذي يؤكد أن سلطة إدارة الإقليم محدودة بالواقع القائم فيه، وهي سلطة واقعية مؤقتة، ولا يمكن السماح للقائم بالاحتلال بإقامة جدار الفصل العنصري، لأن القائم بالاحتلال لا يمارس عملاً من أعمال الإدارة المؤقتة، وإنما يمارس سلطة من سلطات الدولة ذات السيادة على الإقليم، وهو الأمر الذي يعني أنه يغتصب سلطة لا يقرها له القانون الدولي التقليدي"(2).

هذه المواقف التي أطلقت، واعتبرت بناء جدار الفصل العنصري يتناقض وأحكام القانون الدولي الإنساني، جاء في سياق التحركات والاتصالات التي افضت إلى طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية إصدار فتوى بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد الجدار الذي تقوم به "إسرائيل" وذلك في قرارها 14/10/55 تاريخ 8/12/2003 الصادر وفقاً للفقرة (1) من المادة (69) من ميثاق الأمم المتحدة.

فتوى محكمة العدل الدولية حول الجدار
بتاريخ 9/7/2004 أصدرت محكمة العدل الدولية فتواها استناداً إلى إحالة الجمعية العامة والتي تضمنت
1- قراراً بالإجماع بحفظ اختصاصها للنظر بالطلب وإصدار الفتوى.
2- قراراً بأغلبية 14 قاضياً ومعارضة القاضي الأميركي بالاستجابة لطلب إصدار الفتوى.
وعليه أجابت المحكمة بالاتي:
أ- قرار بأغلبية 14 قاضياً ومعارضة القاضي الأميركي، تعتبر فيه أن تشييد الجدار الذي تقوم به "إسرائيل"، الدولة القائمة بالاحتلال ببنائه في الأراضي الفلسطينية والنظام المرتبط به يتعارض مع القانون الدولي.
ب- قرار بأغلبية 14 قاضياً، ومعارضة القاضي الأميركي، تعتبر فيه أن إسرائيل ملزمة بوضعٍ حدٍ لانتهاكات القانون الدولي، وهي ملزمة بأن توقف على الفور، أعمال تشييد الجدار، وأن تبطل مفعول جميع القوانين التشريعية واللوائح التنظيمات.
ج- قرار بأغلبية 14 صوتاً، ومعارضة القاضي الأميركي، تعتبر فيه أن "إسرائيل" ملزمة بتحمل جميع الأضرار الناتجة عن تشييد الجدار.
د- قرار بأغلبية 13 قاضياً ومعارضة اثنين من بينهما القاضي الأميركي تعتبر فيه أن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني المترتب على تشييد الجدار، وعدم تقديم العون والمساعدة في الإبقاء على الوضع الناشئ عن هذا التشييد، وعلى أن تتحمل جميع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربع المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12/8/1949 مع احترامها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، التزاماً إضافياً بكفالة "إسرائيل" للقانون الدولي.
هـ- قرار بأغلبية 14 قاضياً، ومعارضة القاضي الأميركي، بأن تنظر الأمم المتحدة، ولا سيما الجمعية العامة، ومجلس الأمن في ما يلزم من إجراءات أخرىـ لإنهاء الوضع غير القانوني الناتج عن تشييد الجدار والنظام المرتبط به(3).

هذه الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية أشرت على معطيين:

- الأول، أن ما تقوم به "إسرائيل" في الأراضي المحتلة يتعارض وأحكام القانون الدولي الإنساني.
- الثاني، أن الأعمال الإسرائيلية المناهضة للاتفاقات والمواثيق الدولية والتي تنفذ في الأراضي المحتلة، إنما هي محمية بقوة دولة كبرى هي الولايات المتحدة الأميركية.
إذاً، وبناء على ما تقدم وسنداً لفتوى محكمة العدل الدولية يتبين أن "إسرائيل" بإقدامها على بناء الجدار العازل جدار الفصل العنصري) إنما انتهكت قوانين الحرب التي تحدد نطاق تصرفات الدولة القائمة بالاحتلال، وأحكام القانون الدولي الإنساني وخاصة مصادره الأساسية المستمدة من نصوص اتفاقيات جنيف الأربع لعام/1949، بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة.

تقرير غولد ستون
نهاية عام/2008، شنت "إسرائيل" عملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة سمتها عملية الشتاء الساخن وبسبب ما خلفته هذه العملية من آثار مدمرة على البشر والحجر أنشأ رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة تقصي حقائق وأسندت رئاستها إلى القاضي السابق في المحكمة الدستورية لجنوب أفريقيا، والمدعي العام السابق لمحكمتي يوغسلافيا ورواندا الجنائيين الدوليتين، ريتشارد غولد ستون، وقد حددت في قرار التكليف ولاية اللجنة وهي التحقق في جميع انتهاكات قانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي، التي تكون قد ارتكبت في أي وقت وفي سياق العمليات العسكرية التي جرى القيام بها في غزة، في أثناء الفترة من 27 كانون الأول/2008 إلى 18 كانون الثاني 2009 سواء ارتكبت قبل هذه العمليات وأثناءها أو بعدها(4).

بعد استعراض البعثة للوقائع التي حققت بها والاستنتاجات الوثائقية والقانونية خلصت إلى نتائج تثبت انتهاك "إسرائيل" للقانون الدولي الإنساني من خلال:
1- إن "إسرائيل" لم تحترم أحكام اتفاقية جنيف الرابعة من خلال ما قامت به لجهة عملية العزل الاقتصادي والسياسي لقطاع غزة.
2- إن "إسرائيل" ارتكبت خرقاً خطيراً لتدميرها الممتلكات والمرافق الذي لا تبرره الضرورة العسكرية وهو يشكل بنظر البعثة انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. وأن الهجمات التي شنت على مرافق الشرطة العسكرية لم توازن على نحو مقبول بين الميزة العسكرية المباشرة المتوقعة وفقدان الأرواح المدنية.
3- إن البعثة لم تعثر على إدانة توحي بأن الجماعات المسلحة الفلسطينية، كانت قد وجهت المدنيين إلى مناطق كانت تشن فيها هجمات.
4- إن البعثة خلصت إلى استنتاج بأن "إسرائيل" قد انتهكت ما يتطلبه القانون الدولي العرفي، من اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة في اختيار وسائل الهجوم، بقصد تجنب الخسائر العرضية في أرواح المدنيين. وأن القوات الإسرائيلية قد قامت بنحو مباشر وتقصد بمهاجمة مستشفى القدس في غزة، ورفضت البعثة إدعاء "إسرائيل" بأن نيراناً قد وجهت إلى قواتها من داخل المستشفى.
5- رأت اللجنة أن "إسرائيل" قد شنت هجمات عشوائية على أهداف مدنية وبما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
6- ثبت للبعثة، أن القوات الإسرائيلية استعملت رجالاً مدنيين فلسطينيين تحت التهديد بالسلاح في عمليات البحث في منازل، وهذه حالة تندرج تحت وقف استخدام المدنيين كدروع بشرية وهي محرمة بموجب القانون الدولي الإنساني.
7- وثقت اللجنة في تقريرها أن "إسرائيل" أقدمت على احتجاز أشخاص مدنيين بينهم أطفال ونساء وشيوخ في أوضاع مزرية، وأساءت معاملتهم وهذا يشكل اعتداء على الكرامة الشخصية ومعاملة مذلة ومهينة وهذه تتناقض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني وأن هذه الأعمال تشكل خرقاً خطيراً لاتفاقيات جنيف وبالتالي هي جريمة حرب.
8- خلصت اللجنة إلى أن ممارسات "إسرائيل" أسفرت عن ارتكاب انتهاكات لقانون حقوق الإنسان، وللقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بحظر الاحتجاز التعسفي والحق في الحماية المتساوية بموجب القانون.
في الختام، رأت البعثة أنه من الضروري إجراء تحقيقات، وكذلك محاكمات لمن اشتبه في ارتكابه انتهاكات خطيرة. وإذا كان يراد ضمان احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي، وإذا كان يراد منع نشوء جو قوامه الإفلات من العقاب، فعلى الدول بموجب القانون الدولي واجب التحقيق في الإدعاءات القائلة بارتكاب انتهاكات.

لقد أرفقت البعثة توصيتها بخلاصة مفادها أنه توجد شكوك جدية حول استعداد "إسرائيل" لإجراء تحقيقات، بطريقة نزيهة ومستقلة وعاجلة وفعالة، على نحو ما يتطلبه القانون الدولي. وفي رأي البعثة أيضاً أن النظام الإسرائيلي على وجه الإجمال يتصف بسمات تمييزية متأصلة فيه، تجعل من سجل نيل العدالة أمام الضحايا الفلسطينيين أمراً بالغ الصعوبة.

من خلال الوقوف على فتوى محكمة العدل الدولية وتقرير بعثة تقتصي الحقائق يتبين بشكل قاطع أن "إسرائيل" ارتكبت جرائم حرب من خلال انتهاكها لاتفاقيات جنيف الأربع وعدم التزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وهذا ما يضعها أمام مساءلة جنائية دولية خاصة وأن هذين التقريرين لم يبرزا سوى عينات من مسلك الانتهاكات المتواصلة فصولاً ضد حقوق الإنسان منذ إنشاء الكيان الصهيوني وحتى تاريخه، وهذا التمادي في الانتهاك الإسرائيلي لحقوق الإنسان في زمن السلم والحرب، لم يحصل بسبب الطبيعة العدوانية "لإسرائيل" وحسب بل أيضاً بسبب عوامل إضافية أخرى منها:
1- الحماية الدولية التي تتكئ على الدعم الأميركي اللامحدود بحيث باتت "إسرائيل" في ظل هذه الرعاية دولة "اكسترا" وبالتالي تعتبر نفسها فوق أية مساءلة قانونية عن جرائم ترتكبها.
2- إن "إسرائيل" لم تنضم حتى تاريخه إلى العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي تتضمن أحكامها ما يوفر حماية للحق الإنساني، وما انضمت إليه لا تلتزم به وجردة بسيطة تبين ما يلي:
- إنها لم تنضم إلى اتفاقية لاهاي 1907 المتعلقة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية.
- إنها لم تنضم إلى البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 والمتعلق بضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.
- إنها لم تنضم إلى البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاص بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح.
- إنها لم تنضم إلى اتفاقية حظر استخدام وإنتاج الأسلحة البكتروبولوجية (البيولوجية) وتدمير هذه الأسلحة.
- إنها لم تنضم إلى اتفاقية لاهاي 1976 والخاصة بحظر استخدام تغيير البيئة في الأعمال العسكرية.
- إنها لم تنضم إلى البروتوكول الثالث لعام 1998 الخاص بحظر واستخدام الأسلحة المحرقة.
- إنها لم تنضم إلى اتفاقية باريس 1993 الخاصة بحظر وتطوير وتخزين واستخدام الأسلحة الكيماوية وتدميرها.
- إنها لم تنضم إلى اتفاقي أوتاوا 1997 بشأن حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام.
- إنها لم تنضم إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي أعلنت بموجب اتفاق روما 1998(5).

في ثبوت ارتكاب "إسرائيل" لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية :
إن ما جرت الإشارة إليه من خلال الوقائع، يبين أن "إسرائيل" قد ارتكبت جرائم حرب وفقاً لما نصت عليه المادة (8) من النظام الساسي للمحكمة الجنائية الدولية
فقرةأ وهي:
1- الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف 12/8/1949
2- القتل المتعمد.
3- التعذيب والمعاملة اللاإنسانية.
4- تعمد إحداث معاناة شديدة.
5- الحاق تدمير واسع بالممتلكات والاستيلاء عليها.
6- حرمان الأسرى من محاكمة عادلة.
7- الابعاد والحبس غير المشروع
8- أخذ الرهائن.

فقرة (ب)
1- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين.
2- تعمد توجيه هجمات ضد أهداف مدنية.
3- تعمد هجمات ضد مؤسسات ومرافق مدنية وخدمية وإنسانية.
4- تعمد شن هجمات مع العلم بأنه سيسفر عن خسائر جسيمة في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين.
5- مهاجمة أو قصف مدن أو قرى أو مباني لا تشكل أهدافاً عسكرية.
6- تعمد توجيه هجمات ضد مباني مخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو الخيرية. والأثار التاريخية والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى.
7- استخدام السموم أو الأسلحة المسممة.
8- استخدام الغازات الخانقة أو السامة.
9- استخدام الأسلة المحرمة دولياً (الفوسفور المحرق،القنابل العنقودية، الرصاص ذي الأغلفة الصلبة)
10- الاعتداء على الكرامة الشخصية والاغتصاب.
إن هذه الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل هي غيض من فيض وأن واحدة منها تكفي لمقاضاتها فكيف بهذا الكم من الجرائم المصنفة جرائم حرب؟!

أما بالنسبة للجرائم ضد الإنسانية، فإن "إسرائيل" ارتكبت من هذه الجرائم ما يفوق التصور. وإن المادة (7) من نظام المحكمة الجنائية الدولية حددت الجرائم ضد الإنسانية والتي ينعقد الاختصاص لها للنظر بها ومن هذه الجرائم:
1-جرائم القتل المتعمد
2- إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان.
3-- السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.
4- التعذيب
5- الاختفاء القسري للأشخاص.
6-جريمة الفصل العنصري
7-الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تسببت عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

في ثبوت ارتكاب "إسرائيل" لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وسبل ملاحقة مرتكبيها:
مما تقدم يتبين أن الجرائم التي ارتكبتها "إسرائيل" منذ نشأتها، هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحسب ما نص عليه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في ماديته السابعة والثامنة. وبما أن هذه الجرائم لا تسقط التقادم، فإن المساءلة القضائية الجنائية تبقى قائمة وعليه فإن سبل ملاحقة "إسرائيل" لجرائمها التي ارتكبتها إنما تتطلب أولاً توثيق هذه الجرائم، وثانياً اللجوء إلى المقاضاة.

إن مقاضاة "إسرائيل" تتم عبر ثلاثة إطارات:
الإطار الأول: إحالة الجرائم الموثقة إلى المحكمة الجنائية الدولية التي حفظ نظامها الأساسي اختصاصها النوعي لمقاضاة مرتكبي مثل هذه الجرائم وهذا يتطلب انضمام السلطة الوطنية الفلسطينية إلى نظام المحكمة. إن الخطوات التي أنجزت حتى الآن هي في الاتجاه الصحيح وإن كان تنتابها صعوبة نظراً لآلية الإحالة إلى المحكمة عبر مجلس الأمن والتي تتحكم بها دول النقض.

الإطار الثاني: أن تبذل المرجعية الوطنية الفلسطينية جهداً مكثفاً، لدى الدول التي تمنح أنظمتها القضائية ولاية شاملة لمقاضاة من يثبت ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وبغض النظر عن جنسية مرتكبي الجرائم ومكان حصولها. وهذا ما كان يأخذ به القضاء البلجيكي قبل الضغط الأميركي والقضاء الإسباني.

الإطار الثالث: أن تتحول قضية ارتكاب "إسرائيل" لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الخطيرة لحقوق إلى قضية رأي عام دولي، وهذا يتطلب إبقاء هذه الجرائم في دائرة الضوء والملاحقة القانونية عبر المؤسسات الإقليمية والدولية ذات الصلة بقضايا حقوق الإنسان، وعبر المنتدبات الدولية والتي يشكل المنتدى الدولي للعدالة في فلسطين واحداً من منابره.

إن "إسرائيل" ستبقى ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لأنها دولة قامت بالأساس على العدوان وإذا كان النظام الدولي يعيق اليوم محاكمتها قضائياً بفعل الاحتضان والدعم الأميركي اللامحدود، إلا أن بالإمكان محاكمتها سياسياً وأخلاقياً، لانتهاكها المبادئ الأساسية لقوانين الحرب وضربها بعرض الحائط بكل المواثيق والاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقيات جنيف الأربع وكل الاتفاقيات التي لم تنضم إليها، لتبقي نفسها خارج المساءلة القانونية والقضائية.

إن هذه ليست مهمة شعب فلسطين وحسب بل مهمة الأمة العربية التي يستهدفها المشروع الصهيوني، ومهمة كل القوى في العالم الحريصة على احترام حقوق الإنسان ومقاضاة كل من يثبت ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لجنة المحامين في حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي
في بيروت 22/2/2015

----------------
(1) تقرير الأراضي الفلسطينية المحتلة (2009) الصادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة "أوتشا"
(2) محمد فهد الشلالة – الأبعاد القانونية لجدار الفصل العنصري في ضوء القانون الدولي الإنساني، منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت طبعة 2010، ص 179 وما يليها.
(3) محكمة العدل الدولية بشأن الأثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مجلة الحق – إتحاد المحامي العرب – القاهرة – العدد 3/2004 ص 98.
(4) حالة حقوق الإنسان في فلسطين وفي الأراضي العربية المحتلة – تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق (الموجز التنفيذي – مجلس حقوق الإنسان). A/H.R.C. 12/48 (Advance)
(5) موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني – إصدار بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر – القاهرة – 2002.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق