قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الأحد، 19 أغسطس 2012

أشباح على شاشة الوعي: ما الذي حدث ويحدث في مصر؟

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أشباح على شاشة الوعي:
ما الذي حدث ويحدث في مصر؟
شبكة البصرة
محمد الأسعد
حتى الآن تفتقر غالبية التحليلات التي ظهرت فجأة بعد قرار الإخوان المسلمين في مصر التفرد بالسلطات كلها، التشريعية والقضائية والتنفيذية (إبعاد الضباط المصريين عن المسار السياسي وتجنب أي تحالف مع أي قوى مصرية غير أمريكية الاتجاه) إلى أدوات التحليل الرئيسية، وعلى رأسها معنى ومتضمنات النقلة الاستراتيجية الأمريكية في العام 2007، التي تقرر بموجبها إضافة شبكة الإخوان المسلمين إلى الشبكات العاملة تحت المظلة الأمريكية (الحركات التي خلقها التجمع المخابراتي الغربي المسمى "نادي فريق الصيد" أو نادي السفاري، تحت أسماء إسلامية منتحلة منذ سبعينات القرن العشرين).

الأداة الأخرى التي تستبعد من التحليل هي الطابع الشعبي، والطبقي تحديداً، لحركة الشارع المصري التي بدأت في يناير من العام 2011 انطلاقاً من التجمعات العمالية في كفر الدوار، واستبدالها بأدوات زائفة مثل شباب مواقع التواصل الاجتماعي والاحتجاجات على قمع قوى الأمن وما إلى ذلك.

ويمكن إضافة أداة تحليل مهمة يتم محوها من الذاكرة، وهي الاحتجاج المصري الواسع النطاق على سياسات التبعية، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، لاستراتيجيات الولايات المتحدة في الوطن العربي، تلك السياسات التي أطلقها أنور السادات ورسخها حسني مبارك، وتجلت، ليس بالخضوع فقط لمتطلبات الولايات المتحدة بل ولمتطلبات قاعدتها الاستعمارية في المنطقة، أي الكيان الصهيوني المفروض على أرض فلسطين من نهرها إلى بحرها.

في ضوء هذه الأدوات وحدها يمكن فهم ما جرى في مصر وما يجري الآن. يمكن فهم الآلية التي اعتمدها الإخوان المسلمون في إفراغ الحركة الشعبية المصرية من طابعها الطبقي، كصراع بين فقراء وعمال مصر وطبقة سماسرة الاحتكارات الغربية القابضين على زمام السلطة، وتثبيت ما سميت سياسات الانفتاح والطبقة المنتفعة نفسها مع تغيير الوجوه، ومعناها إفقاد مصر أي نوع من أنواع الاستقلال الاقتصادي بكل ما يعنيه من تنمية وطنية/اجتماعية/اقتصادية مستقلة. وكذلك يمكن فهم الآلية التي يتم بها تشويه الوعي المصري بالزج به في خلافات حول جنس الملائكة والعفاريت، وأفضلية هذا الدين أو المذهب على ذاك.. وما إلى ذلك من خزعبلات، بملاحظة خطابات برامج الفضائيات وصفحات الصحف الممولة بأموال الدول العربية التابعة لفريق الصيد المخابراتي. وكلها بمجملها تستهدف تدمير فكرة القومية العربية الجامعة، أي مكانة مصر الجغرافية/السياسية الطبيعية في محيطها، واقتطاعها تمهيدا لتفتيتها.

ولا يمكن بالطبع فهم هذا التوجه الإخواني نحو السلطة في مصر من جهة، وتلازم هذا التوجه مع التركيز على قداسة اتفاقيات الاستسلام المسماة "اتفاقيات كامب ديفيد"، إلا في إطار إن هذه هي الشروط الأمريكية لأي صاعد إلى سلطة تعتبرها الولايات المتحدة من شؤونها الخاصة. وما تم في ضوء النقلة الاستراتيجية التي أشرنا إليها لم يكن في الحقيقة إلا تتويجاً لعقود متطاولة من العلاقة المحورية بين حركة الإخوان المسلمين، وبين القوى الاستعمارية بمختلف أسمائها وأدوارها، بداية بانكليز قناة السويس، ومرورا بأمريكان أوباما، وصولا إلى الصهاينة.

السؤال الذي يطرح الآن ربما هو: لماذا الانقضاض على الجيش المصري، سواء بزجه في حرب استنزاف مع مجندي فريق الصيد المخابراتي، حاملي الأسماء الاسلامية المنتحلة، أو باحتجازه وراء قضبان سلطات الرئيس، أو سلطة الإخوان المسلمين بالأحرى؟
المتابع لمجريات تفتيت البلدان العربية، بدءا بالعراق فالسودان فليبيا، وما يجري من حرب حاليا على سوريا، يدرك بلا غموض أن الجيوش العربية يتم الانقضاض عليها وتشويه صورتها اعلاميا على نطاق واسع، واستنزافها بحروب عصابات تديرها أجهزة الاستخبارات الغربية، إن تعذر الهجوم عليها بطائرات الناتو. ولا يختلف ما هو مخطط للجيش المصري عن هذا، فهو المؤسسة الوحيدة المنظمة في المجتمع المصري التي تتجدد بشكل منظم، وخروجها على السيطرة الأمريكية محتمل، سواء في المستقبل القريب أو البعيد. من هنا جاء الدعم الأمريكي لحركة تحجيم دور هذه المؤسسة في السياسة المصرية تحت ذرائع الحكم المدني وتسليم السلطة للمدنيين. ترى لو كانت السلطة "المدنية" التي يزعم الإخوان إنها غايتهم ذات طابع مستقل عن المدار الأمريكي، هل كانت ستلقى دعما أمريكيا أم ستشن عليها الحرب بمختلف الوسائل وتوضع فورا على قائمة الإرهاب؟

لا "ازدواجية" في التوجهات الغربية، تلك المقولة التي ابتدعها "مايلز كوبلاند" في العام 1969 ويجرى وراءها حتى الآن محللون وساسة عرب؛ المعيار واحد لا غير، فسواء كانت الحكومات العربية، وغير العربية، مدنية او عسكرية أو عائلية أو قبلية، ذات لحية أو بلا لحية، ستكون مقبولة أو مرفوضة بناء على معيار واحد؛ ستكون مقبولة و "شرعية" و"ديمقراطية" إذا سلمت مقاليد بلدانها لرجل المخابرات الغربي (وكيل الحكام الدائمين في الدول الغربية، الشركات الاحتكارية، شركات الأسلحة والطاقة والمصارف) وستكون مرفوضة و"غير شرعية" و "مستبدة" إذا رفضت التسليم وسعت إلى استقلال القرار الاقتصادي والعسكري والاجتماعي، وانتمت إلى جغرافيتها السياسية الطبيعية، أي إلى محيطها عربيا وإقليميا.

إن أي تحليل يفتقر إلى الأدوات التي ذكرناها، سيكون مجرد رسم أشباح مضللة على شاشات الوعي، ولن يضع يد القارئ والمشاهد على حقيقة ما يجري فعلا، ولن يساهم في رسم طريق هاد للقول والفعل، بل سيقوده إلى متابعة ذاهلة لشاشات فضائية تحدثه عن مخاطر السحرة وألاعيب الشياطين والعفاريت في أسوء الأحوال، أو على برامج تسلية سياسية يعلك فيها جهلة ما قاله هذا الرئيس وما نطق به ذاك المسؤول، بعيدا عن أي واقعة من وقائع مد خطوط أنابيب الطاقة وتجارة السلاح والتلاعب بالعملات وتحريك الأساطيل في أفضل الأحوال.
كنعان 16/8/2012
شبكة البصرة
الجمعة 29 رمضان 1433 / 17 آب 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق