قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

الخميس، 9 أغسطس 2012

د. حسن طوالبة : البعث حركة تاريخية ومشروع الامة المستقبلي

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
البعث حركة تاريخية ومشروع الامة المستقبلي
شبكة البصرة
د. حسن طوالبة
لقد اجمع القوميون ان مؤسس البعث الاستاذ الراحل لم يعش اسير نظرية او مذهب معين، بل كان يطلق لنفسه حرية التفكير، مستندا إلى معين ثقافته العربية والانسانية الاصيلة، ومستندا إلى الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للامة العربية. لم يتأثر بمدرسة فكرية معينة، وان كانت بعض الاشارات إلى انه تأثر ببعض الفلسفات الغربية، وبالاحرى الفلسفة المثالية. ولكنه درس الفكر الفلسفي العالمي، ودرس التاريخ والتراث العربي، وعاش أحداث الامة وتفاعل مع مشاكلها، واخرج مدرسته الخاصة، واسس نظرية قومية رفضت المجرد (المنطقي) وقالت بالحيوية الفاعلة والمتفاعلة مع الحياة، لان نظريته هي نظرية للحياة، نظرية تهدف إلى " ظفر الحياة على الموت".
لم يرفض الاستاذ المؤسس الراحل المنهج العلمي، ولكنه رفض المنهج الجامد، والمنهج الجاهز، كما رفض النظريات التي تكتب في غرف مغلقة، ولذلك فهو الذي صاغ نظريته بصوت مرتفع على مسامع رفاقه واصدقائه ومحبيه وعلى مسامع الشرائح الكادحة في المجتمع العربي، فجاءت كلماته سلسلة سهلة مفهومة شاملة تعبر عن ضمير الامة بصياغة جديدة تستلهم روح الامة في تاريخها وتراثها الذي قوامه الدين الاسلامي.
اذن، ففكر وعقل الاستاذ الراحل " عقل منظم" يركب الافكار ويحللها ويعمر النظرية التي ينسج خيوطها بعناية ودقة، كما تفعل ريشة الفنان، في إبراز معالم لوحة جميلة تنبض بالحياة. فالاستاذ لم ينظر تنظيرا مجردا للقضية العربية، بل عايشها بروحه واحساسه، وعانقها عناقا ابديا وعاش من اجلها فكرا وعملا واخلاقا وروحا. واهم مايميز الاستاذ الراحل انه رفض تجزئة القضية، او تجزئة الحلول المطروحة لها. صحيح انه قال بنظرية للوحدة واخرى للحرية وثالثة للاشتراكية، ولكنه رفض الفصل فيما بينها، بل قال بالعلاقة العضوية بين الاقانيم الثلاثة. وبهذا فقد اقترب بشفافيته من الفنان الأصيل، الذي يحرص على التكامل في اجزاء عمله الفني. وعليه ففكر الاستاذ الراحل لايقبل التجزئة، فهو فكر شمولي يتجاوز حدود المصادر المتعارف عليها في عملية خلق متناهية.
وعلاوة على انه مفكر فهو (رجل سياسة) اسس حزبا ورد على كل التيارات وحاورها ونقدها وتناول كل القضايا. وكان (رجل فكر)، نسج خيوط حية تتفاعل مع معطيات الامة وواقعها، وكان نزوعه الفلسفي الاستراتيجي يتلون بمبدئية عالية جدا، وبموقف صلب يتسم بالنظرة الشمولية. وكان الاستاذ الراحل صاحب مشروع مستقبلي للامة العربية تسهم فيه القوى القومية واليسارية والثورية في الوطن العربي.
عشرات البحوث عالجت فكر الاستاذ الراحل وتناولت الوحدة العربية والحرية والاشتراكية، والقومية والانسانية والدين والتراث. أذ نال الدين والتراث اهتماما مبكرا منه وتركيزا خاصا على هذه الموضوعة لان جوهر الدين موجود في الفكر القومي عموما، وفي فكر الاستاذ المؤسس الراحل والرفيق المجدد الشهيد صدام حسين بخاصة , وعده مرتبة عليا في القضايا الفكرية، فالدين عنصر اساس في الحياة وليس عارض فيها وعنصر اساس لدى الانسانية كلها، وانه عنصر خالد لايزول. وهذا الفهم ينطبق على العروبة. وقد اكد الاستاذ الراحل والشهيد صدام العلاقة بين الدين والعروبة ولا انفصال بينهما. و " النظرة إلى الدين، ليست نظرة إلى الطقوس التي يمارسها الناس في دياناتهم، بل إلى كل المعتقدات الواردة في الاديان كلها واخرها الاسلام خاتم الاديان".
الاستاذ الراحل ولد مسيحيا بالفطرة، كما يولد كل انسان ينتمي إلى دين ومذهب معين بالفطرة، وفي الوقت نفسه وجد نفسه منتميا إلى العروبة. وهكذا " حصل تعدد في الانتماء الديني، ووحدة في الانتماء القومي". أي ان الاستاذ الراحل ولد مسيحيا بالفطرة، ومنتميا إلى الاسلام، لانه طبع الواقع العربي برسالة محمد، وقد حل هذا الازدواج، بايمانه وانتمائه المبدئي للعروبة. و إذا كانت الجنسية انتماء إلى السلطة القطرية، فان الانتماء القومي هو انتماء إلى المجتمع كله. ولذلك فان دعوة الاستاذ الراحل إلى القومية العربية، كانت لتجاوز واقع الانتماء إلى الجنسية، إلى واقع الانتماء إلى المجتمع كله. أي بتعبير حديث، الانتقال من الوطنية إلى القومية.
ان الاسلام ليس دينا للمسلمين فحسب، بل هو ثقافة العصر، للمسلمين والمسيحيين، وقد أوذي عدد من المسيحيين بسبب اشتغالهم في الثقافة الاسلامية ايام الحكم العثماني , وكانوا من المدافعين عن اللغة العربية وعن الهوية القومية للعرب , هوية غير عنصرية بل هوية انسانية متسامحة. ولما كان الاسلام بهذا التفسير فهو دين الجميع مسيحيين ومسلمين.
من المعروف ان الاسلام هو رسالة الله سبحانه وتعالى إلى البشرية كلها، وليس للعرب وحدهم- كما يرى البعض في محاولة للانتقاص من العرب… ولكن الله جل شأنه، اختار لرسالة الاسلام رسولا من العرب، ومن اسياد العرب (قريش) و (بني هاشم) محمد (صلى الله عليه وسلم)، واختار الله تعالى العرب امة لحمل رسالته إلى البشرية كلها، ولذلك كانت امة واحدة جديرة بهذه الرسالة الخالدة , وليس كما يدعي اعداء العرب ان رسالة الاسلام جاءت لقوم جاهلين ليخرجهم من الظلمات الى النور , فالعرب كانوا اعرف من غيرهم بعلوم الفلك والجغرافيا والتجارة والدبلوماسية. ومن هنا كان الشعار الذي اختاره الاستاذ الراحل للبعث (امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة).
ولان الامة العربية قد حملت رسالة الله سبحانه وتعالى بكل جدارة، ونزل القرآن الكريم بلغة العرب، فالامة العربية ارتفعت بهذه الممارسة ونالت مرتبه متميزة عن الامم الاخرى، وتلك ميزة لهذه الامة عن باقي الامم التي اعتنقت الاسلام. وهذه الميزة مازالت تؤهل الامة العربية لان تلعب دورها القيادي الريادي في التبشير إلى الاسلام- كما عبر الشهيد صدام حسين في احاديث كثيرة- وقد يصعب على اية امة امنت به ان تبشر بالاسلام، إلا إذا أجادت اللغة العربية إجادة ترقى إلى فهم القرآن الكريم وتفسير معاني سوره وآياته.
وعندما يقول القوميون في الوطن العربي وينادون بالدور الريادي للامة العربية، فان هذا الدور ليس كالادوار التي قامت بها بعض القوميات في العالم، أي القيام بدور محدود، بل هو دور إنساني لان رسالة القومية العربية التي تضطلع بها الامة العربية هي رسالة حضارية انسانية ترفد البشرية بكل عطاءات الخير والسلام. والدعوة لدور العرب القيادي، ليس انتقاصا من الامم الاخرى، بل هو استمرار لممارسة الدور الذي اوكله سبحانه وتعالى إلى العرب. وعليه فانه من العسير جدا المطالبة بوحدة اسلامية او وحدة العالم الاسلامي، قبل وحدة الامة العربية وقيامها بدورها الريادي الرسالي، استمرارا لرسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). ومن هذا نرى الاستاذ الراحل يطالب الامة العربية بان تستشرف دورها الطليعي بين الشعوب الاسلامية كجزء اساسي من دورها الحضاري في العالم، واطلق الاستاذ الراحل مقولته الشهيرة منذ عام 1943 (في ذكرى الرسول العربي) ان (العروبة جسم روحه الاسلام).
ان قضية العلاقة بين العروبة والاسلام في فكر قادة البعث، علاقة متينة لا انفصال بينهما، فالعروبة وعاء للاسلام. كما ان الاسلام بدون عروبة لايمكن تصوره، لان قوة الاسلام من قوة العرب، ولايمكن ان يتصور عالم اسلامي قوي، قبل ان يسبقه عالم عربي قوي، "فملحمة الاسلام لاتنفصل عن مسرحها الطبيعي الذي هو ارض العرب، وعن ابطالها والعاملين فيها وهم كل العرب" والاسلام كان ومازال يعني تجدد العروبة وتكاملها.
والسؤال هو كيف نميز قوميتنا عن القوميات الاخرى؟ ان الذي يميز القومية العربية انها ليست قومية متعصبة، بل قومية حضارية انسانية، وقد عاش في كنف الامة العربية ايام توحدها، كل الاقليات القومية والدينية والطوائف والمذاهب والمدارس الفكرية. وكانت السمة البارزة هي التفاعل الحي، والحوار المسموع بين الجميع، والاحترام الكلي للمعتقدات.
ومن هنا يمكن ان نضع ايدينا على السر في عداء الغرب الامبريالي والصهيونية للاسلام، ومحاولة الاساءة إليه، ومحاولاته اعطاء الامم والشعوب خارج الامة العربية دور المبشرين بالاسلام او رعاته كما هو الحال اليوم في تركيا وايران , اذ كل منهما يرعى مذهبا معينا , وهي رعاية تقود الى الصراع والخلاف والمستفيد الاول هو الصهيونية والغرب بعامة.
فالغرب الذي يخشى الاسلام، يخشى العروبة اولا، لانه يخشى من الانبعاث الحضاري الانساني للامة العربية، الذي يحدث توازنا في العالم. ومن هذا المنطلق يمكن معرفة اسباب تصادم الغرب مع طموحات الامة العربية وسعيها نحو النهضة والتقدم، فهذا التصادم ليس سببه العوامل الاقتصادية والجغرافية والسياسية والعسكرية، على اهميتها، بل سببه العامل الحضاري، لان دور الامة العربية الحضاري يتعدى الحدود الجغرافية للوطن العربي في تأثيره في الامم الاخرى- كما عبر الشهيد صدام حسين في لقائه مع المفكرين والسياسيين في الندوة القومية في الذكرى الاولى على رحيل القائد المؤسس مساء 26/6/1990.
ونتيجة خوف الغرب من دور العرب الحضاري، فقد عمدت الدول الغربية إلى تقسيم الامة بالقوة العسكرية كما حصل في اتفاقية (سايكس ـ بيكو) 1916، امعانا في تشتيت الامة وجهدها، وهذا الدور المعادي لم يقم به الغرب ضد دول اخرى اكبر من العرب حيث السكان، حيث قسموها إلى دولتين او ثلاث كما حصل في كوريا وفيتنام والمانيا.
وازاء هذا الخطر الذي يهدد القومية العربية والامة ومنعها من القيام بدورها الحضاري والانساني، فان الامة العربية باتت مطالبة بعمل مستقبلي استراتيجي، والقوى في الوطن العربي مطالبة، بالارتفاع فوق الانانيات الفئوية، والتعصب الحزبي، والالتقاء والحوار والاتفاق على صيغة ترتفع بالامة فوق خط التردي. وهذا العمل العربي المستقبلي، لايلغي العمل الوطني، كما ان التوجه القومي لايلغي العمل الوطني والمهم في هذه المرحلة هو الحفاظ على الاستقلال الوطني وعلى الهوية الوطنية، وضمن هذا المنظور لابد ان يكون العمل تحت غطاء الدين داعما للعروبة وليس متناقضا معها- كما عبر الشهيد صدام حسين - لان العرب هم الذين حملوا رسالة الدين إلى الاخرين، خلاف ماحصل ويحصل في الغرب، حيث جاءهم الدين من الخارج. و إذا كان متوقعا ان يحصل التصادم بين الدين والقومية في الغرب- للاعتبار آنف الذكر- فانه لايجوز ان يحصل مثل هذا التصادم في الوطن العربي، أي بين القومية العربية والاسلام، لانها قومية مؤمنة، غير متعصبة إزاء القوميات الاخرى وإزاء الاديان والطوائف، لان كل " بيت عربي في فجر الرسالة الاسلامية قد نضح دما حتى اوصل الرسالة إلى حيث ينبغي ان تكون".
ان الفهم العميق من قبل الاستاذ الراحل للعلاقة الحيوية بين العروبة والاسلام، هو الذي اعطى كل هذه القيمة للفكر القومي، وجعله يستشرف افاق المستقبل للنظريات الاخرى. فعندما تصدى الاستاذ الراحل للشيوعية، فليس لانه يعاديها ابدا، بل لانه وجدها غير صالحة لبلادنا، ولانها نظرية نبتت في بيئة اوربية، وبدأت ناقصة مشوهة، اهملت الجانب القومي، والجانب الروحي. ولذلك وجد انها تحفر قبرها بنفسها، وتعجل بزاولها قبل اوانها.
وعندما سيطر ماوتسي تونغ على بلاد الصين بثورة شيوعية، فقد توقع ان تصطدم النظرية الشيوعية في الصين بالطموحات القومية، وكذلك الاختلاف والافتراق عن النظرية الماركسية التي يدين بها الاتحاد السوفياتي السابق. وقد حصل ماتوقعه الاستاذ الراحل من افتراق وخلاف بين الحزب الشيوعي الصيني والماركسية، ومن ثم الخلاف بين البلدين الكبيرين. كما حصل ماتوقعه الاستاذ الراحل في عقد السبعينات بان الماركسية تحفر قبرها بيدها لانها اهملت النزوع القومي للقوميات واهملت الجانب الروحي لدى الانسان.
ومن هنا نجد ان الاستاذ الراحل والشهيد صدام كانا يؤكدان على الايمان ورفضا وقاوما الالحاد. ولكن دعوتهما إلى العلمانية في الدولة، موقعها بين العروبة والاسلام، كانت تقترن برفض العلمانية بالمفهوم الغربي المجرد من الجوانب الروحية والمعنوية، والتي ترفض الدين ولاتحاسب على الالحاد، لانه الاخذ بهذا المفهوم هو افراغ للقومية العربية من محتواها الحضاري الروحي الانساني. و إذا كان هذا المحتوى يمثله الاسلام، فهو افراغ للعروبة من الاسلام، وهذا امر مستحيل لان العرب هم اصحاب رسالات سماوية، فهم الذين نزلت عليهم الرسالات وهم الذين حملوها إلى العالم، عكس الغرب الذي جاءه الدين من الخارج.
شبكة البصرة
الثلاثاء 19 رمضان 1433 / 7 آب 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق