قال سبحانه وتعالى

قال سبحانه و تعالى
((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدًمت لهم أنفسُهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنً كثيراً منهم فاسقون))
صدق الله العظيم

السبت، 13 ديسمبر، 2014

د. أحمد قايد الصايدي : الحرب الإستثمارية وضياع الأوطان

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحرب الإستثمارية وضياع الأوطان
شبكة البصرة
د. أحمد قايد الصايدي
الحرب، التي يشنها التحالف الغربي على منظمة داعش، في كل من العراق وسوريا، ليست حرباً هزلية في أهدافها المعلنة وغير المعلنة، ولا في حجم الضحايا من المواطنين الأبرياء، ولا في مدى التدمير، الذي يلحق بالبنية التحتية لكلا القطرين العربيين. ولكنها تبدو حرباً هزلية في مظهرها: تتجلى هزليتها في حجم وإمكانيات الدول المتحالفة، مقارنة بحجم داعش وإمكانياتها. كما تتجلى في إطالة الزمن، الذي يُراد للحرب أن تستغرقه، قبل أن تبلغ أهدافها. وكأنما نحن أمام فيل ضخم مثار، يحدث من الصخب أكثر مما يتطلبه الموقف، ومن التدمير العشوائي، مالا تقتضيه طبيعة الصراع. ومع ذلك لا يحقق من الإنتصارات مايتناسب مع حجمه وصخبه، ولا يلحق من الهزائم بخصمه مايتناسب مع حجم التدمير، الذي يحدثه. ألا يثير هذا تساؤلات في ذهن أي متابع لوقائع هذه الحرب؟
كيف يمكن أن نفهم الأمر؟ سنحاول أن نضع أيدينا على بعض الملامح البارزه، التي تتبدى فيها صورة الموقف: كلفة العمليات ضد داعش تبلغ مبدئياً، كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، خمس مئة مليار دولار. إنه رقم مهول دون شك. ولكن حتى لو افترضنا أن وسائل الإعلام تبالغ، كعادتها، فالسؤال هنا: من سيدفع هذه المليارات، قلَّت أو كثرت؟ العرب هم الذين سيدفعون. ثم ماهو حجم الأسلحة، التي ستباع للعرب لتنشيط هذه الحرب وإدامتها؟ حجم لايمكن حصره برقم معين، فهو قابل للتمدد باستمرار. ومن سيصنِّع ويصدر ويجني الأرباح؟ الغرب بطبيعة الحال. أين يقع مسرح العمليات ومن سيُقتل وأي مدن وقرى ومساكن ومنشآت ستُدمر؟ الأرض العربية هي مسرح العمليات والقتلى مواطنون عرب والدمار سيحل في مدن العرب وقراهم ومساكنهم ومنشآتهم. ماهي خسائر الغرب؟ لاشيء. فكل قذيفة تطلقها الطائرات سيدفع العرب ثمنها، وربما أضعاف ثمنها، وسيتكفلون بتشغيل مصانع السلاح، وغيرها من المصانع ذات الإنتاج المرتبط بالحرب، كما سيتكفلون بتمويل الدوائر الأمنية والعسكرية المتخصصة في إدارة الحروب. أما الثمار العاجلة، التي سيجنيها الغرب، وقد بدأ في جنيها فعلاً، فهي تحسين الأوضاع الإقتصادية والميزان التجاري للبلدان المصنعة للسلاح، التي تخوض الحرب في بلادنا، دون أن تنفق مالاً أو تخسر رجالاً. هذه حرب لاتشبه الحروب، التي نعرفها، وهي، بالنسبة لمن يشنونها، إستثمار مربح لايكلف شيئاً، ويكسب كل شيء.
هذه حرب تتجاوز مكاسبها مئات المليارات، التي يجنيها طرف على حساب الطرف الآخر، متمثلة بتشغيل المصانع وتنشيط الصادرات وتسويق آلات الموت. بل وتتجاوز مكاسبها هذا كله إلى الدفع بالأوضاع في الوطن العربي خطوات أخرى باتجاه تمزيقه، مجتمعاً وجغرافيا، وإنشاء دول جديدة، مبنية على العصبيات العنصرية والطائفية، نواتها هذه القوى المسلحة، التي تتقاتل اليوم وتتناحر في أكثر من ساحة عربية، تحت رعاية، مباشرة أو غير مباشرة، من المستثمر الأكبر من هذه الحروب ومن هذا التمزيق. والأدهى والأمر من هذا كله، أن كل طرف، من الأطراف العربية المتقاتلة، يخال نفسه محقاً، وهو يقتل إخوته في الطرف الآخر، ويعتقد أن معركته عادلة، وأن تحركه نابع من قناعاته الذاتية ويخدم مصالحه الوهمية. وحقيقة الأمر أن المتقاتلين، جميعهم، إنما يقتتلون في إطار أجندات خارجية، أدركوا ذلك أو لم يدركوا، وتضحياتهم كلها وتضحيات إخوتهم، الذين يقاتلونهم، إنما تهيئ الثمار، ليقطفها الغرباء، بعد أن تصبح يانعة جاهزة للقطاف.
لنتخيل أن داعش، وغيرها من المليشيات المسلحة في الوطن العربي، أدركت مدى إسهام حروبها في ازدهار الصناعات الغربية، لاسيما صناعة السلاح، فأوقفت الحرب. ولنتخيل أن الممول الخارجي، لاسيما الممول العربي، حكومات وأفراداً، أدرك حجم الكلفة المادية والبشرية، التي تتكبدها الأمة، فوجه المليارات، التي يدعم بها المشروع الغربي في المنطقة، بمختلف تلاوينه وأقنعته، وجهها باتجاه التنمية في الوطن العربي، تعليماً وزراعة وصناعة وتعديناً واستغلالاً للثروات البحرية...إلخ. ألن تنتهي أسباب هذه الفوضى المدمرة، التي تجتاح الوطن العربي، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه؟ ألن تجفف منابع الإرهاب الحقيقية؟ وهي الفقر والبطالة والقهر والإستبداد، ألن تستقر أحوالنا ويزدهر اقتصادنا ويتطور تعليمنا وثقافتنا وتحل المحبة بيننا محل الكراهية، والسلام محل القتل والتدمير، وتتوازن علاقاتنا بدول الإقليم وبدول العالم، التي تقلقنا نشاطاتها وتهددنا مطامعها، ألن تتحقق، بهذا كله، أحلامنا في حياة أفضل لنا ولأجيالنا القادمة؟.
وإذا ماانتقلنا من العام إلى الخاص، من الوطن العربي إلى اليمن، فسنلحظ أن الحروب، التي يخوضها اليمنيون، بعضهم ضد بعضهم الآخر، ليست بعيدة عن الحرب الإستثمارية، وأن هناك خيوطاً، بعضها مخفي وبعضها ظاهر للعيان، تربطها بمجمل مايدور في الساحة العربية، خيوطاً تُمسك بها مراكز القوى المتصارعة في المنطقة وفي العالم. ولكل قوة من هذه القوى مصالحها، التي تتمسك بها وتصارع من أجلها. وهل يستطيع أحد أن يلومها على تمسكها بمصالحها وخوض الحروب في سبيلها؟ هذا من حقها، بل هذا من واجبها تجاه أوطانها. ولايمكن أن تدان إلا على النهج، الذي تنتهجه في قيامها بهذا الواجب. فهو نهج متوحش، تجاوز الحدود المقبولة إنسانياً، وأدى إلى إبادة وتشريد شعوب، وتدمير بلدان بكاملها. وهذا أمر لايمكن تبريره، مهما كانت المصالح، التي تدافع عنها. أما نحن فقصتنا قصة أخرى. فمصالحنا لم نتبينها بعد، ولانعرف على وجه اليقين، لماذا يحارب بعضنا بعضاً، ومن أجل ماذا يقتل الأخ منا أخاه، وأي مصالح نسخِّر أنفسنا وبلادنا لخدمتها.
لو أننا تمعنا في ملامح شبابنا، المنتمي إلى مختلف المليشيات المتقاتلة، فهل يمكن أن نجد ما يميز أحدهم عن الآخر؟ بالقطع لن نجد إلا مايؤكد بأنهم نسيج واحد. فكل واحد منهم يشبه أخاه الآخر، في تقاطيع وجهه وفي هزال جسمه، وفي ملابسه العتيقة المغبرَّة، وفي نظرات عينيه، اللتين لايستطيع الحماس المفتعل أن يخفي فيهما معاني البؤس والقلق وعدم الإطمئنان وعدم اليقين بأن الغد سيكون أفضل من اليوم، وأنه سيكون أقل بؤساً وأكثر أمناً وأهنأ عيشاً، مما نحن فيه.
إننا نتمزق في دواخلنا، ربما بحكم السن والتجربة والقدر المتواضع من المعرفة بما يدور في المنطقة وفي العالم. نتمزق في دواخلنا، كلما سقط شاب يمني، بيد أخيه، المواجه له في الخندق الآخر. ولا نتوقف كثيراً عند الهوية السياسية للمتقاتلين، ولانلتفت إلى الخندق الذي ينتمون إليه. فالإنتماء الحقيقي، الباقي لهم دائماً، هو الإنتماء إلى الوطن الواحد، الذي يتسع لهم جميعاً، ويحتاج إلى سواعدهم القوية وحماسهم المشبوب، وقبل هذا وذاك، يحتاج إلى عقولهم المتَّزنة، يُسخرونها في معركتنا الحقيقية، وهي معركة بناء اليمن، بدءاً ببناء دولته القوية العادلة الجامعة، الضامنة لأمن وحياة ومستقبل اليمنيين جميعهم، دون استثناء. أليس هذا أفضل عند الله وخلقه، من إسالة الدماء وإزهاق الأرواح وتدمير الوطن، في حروب ليست حروبنا، وفي سبيل مصالح ليست مصالحنا؟ إنها حروب استثمارية، يستثمرها غيرنا، خدمة لمصالحه، وننساق فيها تفريطاً بمصالحنا، ونمولها بأموالنا ودمائنا، ونديمها بجهلنا وضعف دولتنا وفساد إدارتنا وظلم بعضنا لبعض، كما نديمها بالأوهام المستحكمة في مكوناتنا السياسية المسلحة، بإمكانية الإنتصار والإستحواذ والإقصاء. وكل هذا لن يعود علينا منه إلا الخراب والدمار والفرقة والتمزق وتعميق الأحقاد بين الإخوة الأعداء، وماهم بأعداء. أما نتيجتها المحسومة، منذ الآن، فهي ضياع الوطن كله.
شبكة البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق